أجنحة مي زيادة المتكسرة

 

ثمَّة فتاة فلسطينية المولد، لبنانيَّة التعلم، مصرية الإقامة، تدعى "مي"، استقر بها المقام فى القاهرة، فاتخذت من بيتها منتدى يؤمه أقطاب الفكر والأدب فى ذلك الحين، من أمثال "طه حسين" و"العقاد" و"الرافعى" وغيرهم، وبدا أن لها فى قلب كل منهم مكانة ومنزلة، لكنها لم تبادل أحدا بشيء.

وفى ذات يوم كانت تسمع الحديث الدائر فى جلستها عن أديب يدعى "جبران"، لم تكن تعرفه فى ذلك الوقت لكنها تشوقت إلى ذلك، فكان أول ما قرأت له مقالة كتبها فى السادس من ديسمبر عام 1908، والمقالة موجودة فى كتابه "بلاغة القرن العشرين" تحت عنوان "يوم مولدى"، فأعجبت بها، ولم تقنع بقراءتها، إنما راحت تستطلع سيرة صاحبها، فزادها ذلك شوقا إلى التعرف عليه.

وبينما كانت "مي" تطالع إحدى قصصه جاءها الحل: لماذا لا تكتب إليه مبدية إعجابها بأدبه؟ لكنها ظلت مترددة، تخشى أن يهمل رسالتها، خاصة وأنه "تلميذ نيتشه المتجبر"، لكنها قضت سريعا على هذا التردد، وأقنعت نفسها أنها أديبة تكتب إلى أديب، ومن ثم كتبت إليه فى التاسع والعشرين من مارس عام 1912 أول رسالة تقول فيها: "أمضى مي بالعربية، وهو اختصار اسمي، ومكون من الحرفين، الأول والأخير من اسمي الحقيقى الذي هو ماري. وأمضي (إيزيس كوبيا) بالفرنجية، غير أن لا هذا اسمى ولا ذاك. إنى وحيدة والديَّ وإن تعددت ألقابى".

فى سرعة جاءها الرد، يحمل ثناءه عليها، ويحدثها فيه "جبران" عن نفسه وعن كتبه، ويرفق به آخر ما كتب "الأجنحة المتكسرة" طالبا منها أن تبدى رأيها فيه، ففرحت "مي" وقرأت أجنحة جبران، وأخذت تسطر له رأيها، وتناقشه فى موضوعها، فكتبت له: ".. ولكنْ إذا جوزنا لسلمى -ولكل واحدة تماثل سلمى عواطف وسمو وذكاء- الاجتماع بصديق شريف النفس عزيزها، فهل يصح لكل امرأة لم تجد فى الزواج السعادة التى حلمت بها وهى فتاة أن تختار لها صديقًا غير زوجها، وأن تجتمع بذلك على غير معرفة من هذا، حتى وإنْ كان القصد من اجتماعهما الصلاة عند فتى الأجيال المصلوب؟"

توالت الرسائل بعدها بينهما، ولم تنقطع إلَّا تلك الفترة التى اشتعلت فيها الحرب العالمية الأولى، وتوثقت أواصر الصداقة بينهما، على الرغم أن كلًّا منهما لم يحظ برؤية صاحبه ولو مرة وحيدة، وكما ذكر ثروت عكاشة أن "جبران" آثر "مي" بإلقاء كلمته التى شارك بها فى الحفل الذى أقامته الجامعة المصرية لتكريم خليل مطران، وكان قد بعث بها إلى "سليم سركيس" منظم المهرجان.

ويبدو أن توالى الرسائل بينهما، شجع "جبران" على أن يطلب من "مي" أن تزوره فى بوسطن، لكن صدى هذه الرسالة كان سيئًا، فقد ثارت "مي" لكبريائها، وبعثت تعنفه وتلومه، فأجابها بأنَّها قد أساءت فهمه، وراح يعتب عليها، ثم انشغل عنها وهو يعد كتابه "السابق"، فظنت "مي" أن قسوة لهجتها قد آذت مشاعره، فبادلها غضبا بغضبٍ وآثر الصمت والانقطاع.

فكتبت تعتذر عما سببت له من ألم وضيق، وتعلن أنها تحبه دون غيره من الذين التفوا حولها من الأدباء والمفكرين، لكن جبران لم يكن يذهب إلى ما ذهبت إليه، وإنما كان مطمحه تلك الصداقة الفكرية والصلة الروحية، فكتب إليها يفصح عن حقيقة مطمحه.

وسارت الأيام سريعًا، فاشتد المرض بـ"جبران"، وفقدت "مي" أبويها فكتبت إليه حزينة "لم يبق إلا أنتَ أيها الصديق" ولكنَّ الموت لم يبقِ لها هذا الصديق، ولم يشأْ أنْ تستمر تلك الرسائل، فآثرت "مي" العزلة حتى وافتها المنية بعد "تلميذ نيتشه المتجبر" بعشرة أعوام ليسدل الستار على واحدة من أمتع الرسائل التى تبادلها الأدباء وظل الكتاب والباحثين يختلفون على إجابة السؤال الصعب: هل كان الحب حقيقيا أم كانت رسائل ما بين صديقين عزيزين؟ وبقي السؤال الأصعب: من وقع فى حب الآخر: جبران أم مي؟!