الدخول بالكلام إلى أرض الألغام

بالنسبة لي ليست الترجمة إلى العامية حلا سحريا ولا قضية هوية ولا معركة لغوية لا بد من خوضها، رغم أنها قد تكون كذلك بالنسبة للبعض. وأنا لا أصادر بدايةً على حق أي أحد في أن يراها كما يحلو له، وإن كنت أنزعج صراحة من الهجوم المستخف أو المُستعدي الذي يربط محاولات الترجمة للعامية على قلتها بالأجندات والعمالة وخطر التدمير للغة القرآن؛ هذه التهم الجاهزة والمرتبطة ياللغرابة بكثير من مغامرات التجديد والإبداع عموما في عالمنا العربي المستنير وواقعنا الثقافي المزدهر!

كانت المرة الأولى لي التي أصادف فيها تجربة في الترجمة إلى العامية على صفحات جريدة أخبارالأدب في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، عندما نشرت فصلا من ترجمة د. مصطفى صفوان لرائعة شكسبير "عطيل" إلى العامية. انبهرت بالتجربة رغم عدم استمتاعي في أحيان كثيرة، والتي أرجعها إلى لغة د.صفوان نفسها التي كانت (متفاصحة) في مواضع كثيرة، ربما لابتعاد الرجل عن تطورات العامية منذ سافر إلى باريس في خمسينيات القرن الماضي، رغم أنه في مقدمته لطبعة الكتاب كاملة التي صدرت عن دار الأنجلو عام 1998 يتحدث عن حق ابن عمه الفلاح وكل الفلاحين في أن يقرأوا شكسبير وغيره من كبار الكتاب بلغة يفهمونها ويتحدثون بها، لكن اللغة التي ترجم بها د. صفوان كانت كثيرا ما تبتعد عن لغة ابن عمه. ومع ذلك أظن أن للرجل نصيبا كبيرا في ريادة الترجمة إلى العامية خصوصا مع نص لشكسبير.

في عام 2005 كنت قد تعاونت مع عدد من الأصدقاء الشعراء والمترجمين لإصدار مجلة ثنائية اللغة اسمها (مينا) تنشر نصوصها بالعربية والإنجليزية في نفس العدد، صدر من هذه التجربة ثلاثة أعداد في الفترة من 2005 إلى 2009، وكانت لي محاولات متواضعة لترجمة بعض القصائد إلى العامية المصرية، اعتقدت أن العامية أقرب لها، لكن عرفت لاحقا وبعد صدور العدد الأول من أحد الأصدقاء أن أحد المترجمين الكبار أثناء تصفحه العدد مع هذا الصديق قرأ ترجماتي وأبدى استهجانه الشديد. وكان هذا الاستهجان أول احتكاك لي بأرض الألغام التي تحيط بمسألة الترجمة إلى العامية والتي تجعلني بصراحة أتهيب خوض الأمر، لكن الطبع غلاب!

ظللت في ترجماتي التالية لا أتورع عن إدخال جمل وكلمات بالعامية المصرية (عامية القاهرة والإسكندرية المسيطرة حتى لا يتذاكى البعض كالعادة ويتساءل أي عامية) في حال تطلبها سياق النص أو كانت هي الأقرب لتفسير ونقل المفردة أو التعبير المطلوب ترجمته، لكن للدقة كان هذا مرتبطا بالنسبة لي بترجمة النصوص الإبداعية، وحين أنظر الآن إلى ما يقوم به بعض شباب المترجمين من ترجمة مقالات في الفلسفة أو الاقتصاد أو غيرهما من المجالات الفكرية النظرية إلى العامية، لا أملك إلا الشعور بالدهشة والتعاطف والحسد أحيانا.

حتى جاءتني الفرصة أو أدخلتني الظروف عنوة إلى أرض الألغام وقمت بترجمة نص كامل لشكسبير إلى العامية، صدر عن دار صفصافة بالقاهرة عام 2016: (حلم في ليلة نص الصيف). كنت قد ترجمت النص في عام 2014 لعرض مسرحي بفكرة وتشجيع مخرجه الصديق أحمد شوقي رؤوف، وأثناء التحضير لهذه المغامرة المخيفة قرأت العديد من الترجمات لهذا النص الذي حظي بترجمات عديدة إلى العربية وغيره من نصوص شكسبير المترجمة، ولفت انتباهي في مقدمة ترجمته لـ (حلم ليلة صيف) "يعترف" د. محمد عناني بمحاولته "استخدام العامية المصرية في ترجمة المشهد الثاني من الفصل الأول" معتقدا أنه – على حد قوله – فتح فتحا جديدا حين مزج العامية بالفصحى في مسرحية  واحدة، لكن النتيجة – والكلام مازال لد. عناني – كانت محزنة؛ فعندما قرأ ترجمته على بعض أصدقائه من الأدباء والنقاد أجمعوا على عدم اقترابها من النص الأصلي، وأن العامية المصرية "لم تنجح هنا – وإنما نزلت بمستوى اللغة إلى مستوى لغة المسرحيات الواقعية المصرية التي لا هي بكوميديات راقية ولا هي بهزليات فاقعة!" لكن د. عناني يعود في ترجمته لمسرحية (روميو وجولييت) إلى طموحه في المزج بين الفصحى والعامية في إطار سعيه لتوصيل (النغمة) أو النغمات المتفاوتة التي يرمي إليها شكسبير مستخدما "النثر حينا، والنظم حينا آخر، والعامية في بعض الأحيان".

وحدث بعد أن نشرت على صفحتي الشخصية على فيسبوك غلاف الترجمة التي قمت بها أن قامت الأستاذة رانيا حسين أمين بمشاركة غلاف الترجمة على صفحتها في الفيسبوك مشيدة بالتجربة وأهمية ترجمة العديد من الكلاسيكيات إلى العامية، وحين دخلت لأشكرها على كرمها وجدت عددا من التعليقات المستنكرة لأن تقوم الأستاذة رانيا وهي ابنة أحد مترجمي شكسبير العظام بالإشادة بمحاولة مشبوهة للإخلال بعظمة اللغة العربية وضرب الثقافة في مقتل…إلخ. قبل أن يقوم أي أحد بقراءة الترجمة نفسها! كانت أرض الألغام تفتح أبوابها مجانا ومقدما حتى لمن يفضلون أن يسيروا إلى جوار الحائط.

في نوفمبر من العام الماضي شاركت في مناقشة ترجمة الأستاذ هيكتور فهمي لرواية الأمير الصغير لسانت أكزوبيري إلى العامية، كان الحضور جيدا ومتفاعلا بقوة، لكننا كما هو متوقع انجرفنا بعيدا عن مناقشة الترجمة نفسها إلى قضية الفصحى والعامية، ورغم أن أنصار الفصحى القلقين كانوا قلة وسط الحضور، إلا أني كنت أتساءل ومازلت: هل يمكن أن تتوقف يوما ما هذه المعركة التشكيكية من جانب والاستشهادية من جانب آخر لنرى ما يمكن أن تحققه الترجمة نفسها من انتصارات وخيبات؟!