دور القهوة فى الحرب العالمية الثانية

النباتات كالبشر منهم من يولد مغمورا ويعيش كذلك ومنهم المشهور منذ ولد، ومن هذه النباتات التي لها شهرة وتاريخ وربما أمجاد يبرز نبات "البن" اليمني أو العربي الذي انتشرت زراعته من جزر الهند شرقا إلى البرازيل غربا، وعلى الرغم من وجود العديد من المشروبات داخل المقهى إلا أنها لم تستمد اسمها سوى من نبات البن أو القهوة: فكيف تم إكتشاف نبات البن؟

الإكتشاف الأول "معزة"!

من الغريب أن يعود الفضل الأول في إكتشاف نبات "البن" إلى معزة!

فالقصة هي أنه في نهاية القرن الثالث الميلادي هرب بعض الرهبان من الإضطهاد الواقع عليهم، ولجأوا إلى أعالى جبال الحبشة، وهناك ربوا قطعانا من المعيز والأغنام وبينما كان أحد الرهبان يرعاها لاحظ عليها أمرا أفزعه، فجرى عائدا إلى الدير وهو يرتعد خوفا، وقال لرفاقه -كما يحكي د.عبد المحسن صالح- والعرق يتصبب من جبينه "لقد حلت بالحيوانات نشوة غريبة وكأنما قد لبسها شئ من عمل الشيطان"!

فرد عليه كبير الرهبان "السلام لك يا ولدي، لابد أنك كنت تحلم أمكث هنا، وسأذهب نيابة عنك لأرعاها"

لكن كبير الرهبان بدوره لاحظ على المعيز أمرا غير عادي، فرغم حلول الليل، لم تستكن الحيوانات ولم تهدأ، ولم تنم، بل ظلت ساهرة، وأخذت تعدو وتقفز وتمرح وترقص وكأنها قد حلت بها بهجة كبرى!

ومرت ليلة وراء ليلة وحالة المعيز ظلت كما هي، برغم الصلوات التي أقامها الرهبان ليطردوا منها الأرواح الشريرة!

ولم تنفع صلواتهم ولا دعواتهم في تغير شئ، فبدأ رئيس الدير يدرس الأمر دراسة واعية، فلاحظ أن هذه الحالة المثيرة لا تحب بالمعيز إلا إذا أكلت من عشب خاص ينتشر بين الأعشاب البرية التي تنمو فوق سفوح الجبال، ودفعه حبه الاستطلاع أن يجرب ثمار هذا النبات، فأكل بعض بذوره، ومضغها وأمتص رحيقها فأصابته حالة من البهجة والتنبه والانتعاش وظل مستيقظا معظم ليله.

والحقيقة أن هناك رواية أخرى تقول إن الذي اكتشف أمر بهجة المعيز راعى أغنام عربى يدعى "الكلدى"ن لكن أيا كانت الروايات فإن بذور هذا النبات قد اكتشفته "معزة"!

الذكر الأول من الناحية الطبية

يأتي أول ذكر لنبات البن أو القهوة من الناحية الطبية في إحدى كتب العالم الطبيب ابن سينا (980-1037) فقد ذكر أن نبات البن له أثر منبه على الجهاز العصبي، كما أنه قابض للجروح، ولا يزال يستخدم بالفعل حتى اليوم بين عامة الناس في علاج الجروح لأنه يؤثر على الشعيرات الدموية.

الموطن الأصلي

يجمع الباحثون على أن الموطن الأصلي لنبات البن كان في الحبشة واليمن، وربما يكون قد انتقل من الحبشة إلى اليمن، ومما يؤكد ذلك أن العالم النباتي "كارل لينايس" (1707-1778) أطلق على هذا النبات اسمه العلمي المعروف به حتى الأن في المراجع وهو "كوفي آرابيكا" أي نبات البن العربي نسبة إلى جزيرة العرب.

وعلى الرغم من أن البن كان منتشرا في بلاد العرب منذ أكثر من 1300عام إلا ان أوروبا لم تعرف هذا المشروب إلا بعد أن رحل ليونهارد راولف من مارسيليا متجها إلى الجزيرة العربية في 1576، وفي كتابه "الرحلات" الذي طبع في فرانكفورت عام 1583 جاء ذكر القهوة "kahveh" ثم اشتق منها بعد ذلك الإسم الإنجليزي "كوفي" والفرنسي "cafe" ثم أخذ هذا المشروب ينتشر في أوروبا في بداية القرن السابع عشر.

سمي "الكافين" نسبة إلى البن

المادة الفعالة في البن تعرف باسم "الكافين"، وهذه الكلمة مشتقة بدورها من الكلمة الفرنسية "كافي" فإذا أرادنا تحويلها للعربية فمن الممكن تسميتها "قهوين" أي المادة المنبهة في القهوة، وعلى الرغم من وجود هذه المادة ذاتها في الشاي والكاكاو والكولا، إلا أن تركيزها في البن أكبر ومفعولها على أعصاب الشاربين أوضح!

دور البن في الحرب العالمية الثانية

في عام 1820 استطاع كيميائي يدعى ف. رونج عزل مادة الكافين بحالة نقية، ثم عرف الكيميائيون -فيما بعد- تركيبها ولذلك قصة وهي أنه عندما قامت الحرب العالمية الثانية، قطع الحلفاء امدادات البن عن ألمانيا، فقام علماؤهم بتخليق المادة صناعيا، وأنتجوها بكميات وفيرة، وقدموها في مشروبات خاصة لجنودهم لتساعدهم على التنبه واليقظة أثناء الحرب!