سيمون دي بوفوار إلى “سارتر الأخر”!

 

لا يخفى على  الغالبية العظمى من الناس علاقة "سيمون دى بوفوار" بالفيلسوف الكبير "جان بول سارتر" حتى لو اختلفنا فى تقييم تلك العلاقة، ما بين الحب أو الصداقة، سيمون دي بوفوار (9 يناير 1908 – 14 ابريل 1986) كاتبة ومفكرة فرنسية، وفيلسوفة وجودية، وناشطة سياسية، ونسوية إضافة إلى أنها منظرة اجتماعية، ورغم أنها لا تعتبر نفسها فيلسوفة إلا أن لها تأثير ملحوظ فى النسوية والوجودية النسوية.

كتبت دى بوفوار العديد من الروايات والمقالات والسير الذاتية ودراسات حول الفلسفة والسياسة وأيضا عن القضايا الاجتماعية، واشتهرت سيمون دى بوفوار برواياتها -والتي من ضمنها "المدعوة" و"المثقفون"- كما اشتهرت كذلك بكتابها "الجنس الآخر" والذى كان عبارة عن تحليل مفصل حول اضطهاد المرأة وبمثابة نص تأسيسى للنسوية المعاصرة.

فذات مساء من عام 1929، اقترح سارتر على بوفوار، وقتها كانا فى العشرينيات من عمرهما، عقداً قابلا للتجديد كل سنتين، مبدأه كالآتى: حبنا "حب الضرورة"، ولا مشكلة فى أن نعيش على هامش هذا الحب قصصاً من "الحب العرضى". كان حب الضرورة بالنسبة لهم هو العلاقة الثابتة والمستمرة بينهما، أما مغامرات الحب العرضى فهى تلك التى تتسم بالخفة والمتعة، وبهذا قررا أن يعيشا الحب من دون مؤسسة، ومن دون زواج، بحرية متبادلة وبشرط الشفافية، واستمرت هذه الشراكة بين الطرفين لمدة 51 عاما، وخلقت نظريات وأفكارا وكتبا عدة، وألهمت كثيرين من الأجيال اللاحقة، وبنظر سيمون، هذه التجربة أثمرت "طفلا" هو الوجودية.

لكن ما هو غير معروف لدى الكثيرين هو علاقة سيمون بالكاتب الأمريكى "نيلسون أليغرين" المعروف بأنه "الرجل ذو الذراع الذهبية" حيث كتب رواية تحمل نفس الإسم عام 1949، والذى كان فى أواخر أربعينيات القرن العشرين وأوائل خمسينياته واحدًا من أشهر كتاب الأدب فى أميركا.

كتب "نيلسون" ألغرين قصته الأولى "لذا ساعدنى" عام 1933، بينما كان فى مدينة تكساس يعمل فى محطة وقود، ويحكى أنه فى ذات يوم وقبل عودته إلى شيكاغو قبض عليه وهو يسرق "آلة كاتبة" من غرفة صف خالية فى جامعة "سول روس" الحكومية فى ألبين فصعد على متن قطار من أجل الهرب لكن أُلقي القبض عليه وأُعيد إلى ألبين حيث أمضى فى السجن ما يقارب خمسة أشهر وواجه احتمال عقوبة ثلاث سنوات إضافية فى السجن ثم أُطلق سراحه، لكن تركت الحادثة أثرا عميقا عليه وزادت من تعاطفه مع غير المنتمين والفاشلين غير المحظوظين الذين كتب عنهم كثيرا بعد ذلك فى عالمه الخيالى.

فى ظنى أن هذه العلاقة بين "سيمون دى بوفوار" و"نيلسون ألغرين" كانت أكثر وضوحا وأقرب إلى الحب منها إلى الصداقة، والدليل على ذلك ما كانت تكتبه سيمون إلى نيلسون لدرجة أنها كتبت له فى بعض المرات تنعته فيها بـ "زوجى العزيز"، فبدا فى تلك الرسائل أنه كان أقرب لها من سارتر، فسارتر كان بالنسبة لها رفيق درب أما نيلسون فكانت تكتب له مثلا "سوف لن ننفصل عن بعضنا.. أننى زوجتك دائما".

بدأت تلك العلاقة عندما ذهبت سيمون دى بوفوار إلى الولايات المتحدة فى شهر يناير من عام 1947 بدعوة من الجامعات الأميركية واستمرت هناك إلى مايو، وفى شهر نوفمبر ذهبت إلى نيويورك فاقترحت عليها "ماري غولدستين" أن تمر على شيكاغو، ومارى واحدة من الصديقات المقربات من "نيلسون أليغرين"، فتعارفا هناك وبدأت العلاقة التى دامت لسنوات طويلة، حيث بدأت فى العام 1947 وانتهت فى عام 1964 فيما يعنى أنها استمرت لمدة 18 عاما.

احتفظ "نيلسون أليغرين" بالرسائل فى أرشيفه فى جامعة كولومبيا فى أوهايو، أما "سيمون دى بوفوار" فحافظت عليها لربما تحافظ على آثار حبيبها الأمريكى، مما سمح لوريثتها "سيلفى لى بون درف بوفوار" أن تجمع تلك الرسائل وتترجمها إلى الفرنسية لتصدر فى كتاب عن منشورات غاليمار بعنوان "حب عابر للمحيطات-رسائل إلى نيلسون أليغرين 1947-1964م"، الكتاب الذى شهد على ذلك الحب العاصف فى عدة رسائل يصل عددها إلى 304 رسالة، والغريب أن الرسائل لم تنقطع حتى بعد زواج "نيلسون أليغرين" مرة أخرى من زوجته السابقة "أماندا كونتويز" سنة 1953!

نيلسون أيضا كان يحب سيمون ففى أحد رسائله قال لها: "فى أحضانك عرفت الحب الحقيقى الشامل، الحب الذى لا ينفصل فيه القلب ولا الروح ولا الجسد بل يشكلون وحدة". لكن لماذا انفصل القلب عن الجسد؟ لأنه لم يتحمل أن يراها تشارك سارتر فى كل شئ، لدرجة أنها اعترفت له بجرأة وإخلاص فى أحد الرسائل بعدم قدرتها التخلى عن سارتر رغم حبها له فى تناقض عجيب فتقول "منذ زمن طويل، امتزج وجودنا سويا.. وأننى مرتبطة به" فكان زواجه بعد ذلك مبررا.

لكن تبقى الرسالة الأجمل والأكثر إرتباكا هى تلك الرسالة التى كتبتها "سيمون دى بوفوار" بعد جواز نيلسون مباشرة تقول فيها: "أنا لست حزينة.. لكننى متفاجئة، وبعيدة تمامًا عن نفسى، ولا أصدق أنك أصبحت بعيدًا أيضًا، بعيدًا للغاية. ولأنك قريب يا نيلسون، أريد أن أخبرك فقط بشيئين قبل أن أرحل. ثم لن أتحدث عنهما على الإطلاق، أعدك".

كان أول هذه الأشياء هى أن تراه ولكنها لا تريد أن تطلب منه ذلك، وليس هذا حفاظا على كبريائها التى تعترف أنها لا تملك منه شيئا أمام نيلسون، لكنها كان تريد أن تراه برغبة منه لأن لقاءه لن يعنى لها شيئا إذا لم يكن هو يرغب فى ذلك، أما ثانى هذه الأشياء فلم تذكره سيمون واضحا فتقول "أتمنى من كل قلبي، وأريد، وأحتاج إلى أن أراك ثانيةً، يومًا ما. لكن تذكّر، أرجوك، أنا لن أطلب منك مرة أخرى أن أراك وليس هذا لكبريائى الذى لا أملك منه شيئًا أمامك كما تعلم، لكن لأن لقاءنا لن يعنى شيئًا إلا إن كان برغبة منك. لذلك سأنتظر حتى ترغب برؤيتى، فقط أخبرنى حين يحدث هذا. ولن أفترض حين تطلب اللقاء أنك ستحبّنى من جديد، ولا أنك ستنام معى. وعلينا ألا نجلس مع بعضنا لوقت طويل -فقط لمدة قصيرة تشعرك بالارتياح، فى الوقت الذى تختاره. وتأكد أننى سأظل دائمًا أنتظر طلبك لرؤيتى. لا، لا أستطيع التفكير فى أننى لن أراك ثانيةً".

وبالتالى لم يكن غريبا حينما طرحت "سيمون دى بوفوار" فى روايتها "المثقفون"، شخصية "لويس بروغين" التى هى بشكل من الأشكال -كما يقول النقاد- شخصية حبيبها "نيلسون ألغرين" وهى الرواية التى حازت بها "سيمون" فى عام 1954على جائزة غونكور التى تعتبر أرفع جائزة أدبية فرنسية.

والغريب والأكثر إثارة للدهشة هو أنه تم الحصول على رسائل "نيلسون ألغرين" أثناء بيعها فى مزاد علنى وكانت أكثر من دار للنشر فى نيتها نشر رسائل نيلسون اليغرين التى احتفظت بها سيمون دى بوفوار، لكن رفض الناشرون الأميركيون نشرها دون تبرير أو تفسير!