“لو قابلتك من زمان”.. رحمة العلاقات وقسوتها!

 

(وسيم) مذيع شبه معروف، يقدم برنامج فى الإذاعة تحت اسم (جواب)، فى نهاية الثلاثينيات من عمره، طموح ولكن طموحه لا يلائم طموح زوجته (دلال) فيه، بعد عدة مشاجرات عنيفة يقررا -زوجته وهو- الانفصال، تأتى (سلمى) التى تشبه (وسيم) كثيرا فيتزوجا، تلك هى الحكاية البسيطة التى تسردها نوفيلا "باسم شرف" أو "باسم شرب" كما سمى نفسه فى الرواية لكى يبعد عن نفسه الشبه مع (وسيم) رغم تشابه كلاهما فى بعض الأشياء، هذا هو سطح الرواية لكن فى العمق ثمة أشياء أخرى، حيث تتحدث الرواية فى مضمونها عن "الرحمة فى العلاقات" تلك الندوة التى حاضر فيها (وسيم) كأن الكاتب يؤكد على نجاح بطله وعلى طموح (دلال) المبالغ فيه، حيث تمثل (دلال) الوجه الآخر لقسوة العلاقات على عكس رحمة (سلمى) وإنسانيتها.

والحقيقة أن الكاتب (باسم شرف) لم يتخلص من ثلاثة أشياء نعرفها عنه من كتاباته السابقة بل أصر على وجودها وتكرارها عن قصد وهم على التوالى:

أولا: بطلته الخاصة جدا (سلمى) التى لم تفارقه فى أعمال ثلاثة هما: جرسون، يا سلمى أنا الأن وحيد، لو قابلتك من زمان، بالرغم من اختلاف شخصياتها مع كل عمل، فسلمى الأولى صماء، والثانية لم تظهر تماما لكن يمكننا استكشاف ملامحها أو رسم صورة ذهنية لها من خلال الجوابات المرسلة لها، أما سلمى فى تلك الرواية فهى بطل بلحم ودم، شخصية محددة مرسومة الملامح والطباع، شكلا وروحا، فهى تلك الفتاة الريفية التى ترتدى الحجاي الذى لم تختاره يوما، هربت من المنزل وجاءت إلى القاهرة بحثا عن أحلامها كعازفة كمان، لكن مع "وسيم" عزفت أفضل ما لديها.

ثانيا: مازال الكاتب يدق بمطرقته الخاصة على آذاننا كى نستعيد كتابة "الرسائل"، فلم يبتعد كثيرا عن خطابات "يا سلمى أنا الآن وحيد" لكنه خلق لها خيطا دراميا من خلال عمل (وسيم) البطل فى برنامج إذاعى باسم (جواب)، برنامج يرسل إليه الجمهور فيه خطابات بخط اليد، فمازال (وسيم) وإن شئت قل (باسم) يشم رائحة الورق ويرى ارتعاشة القلم التى تستطيع من خلالها أن تعرف مدى حزن أو سعادة المرسل وينتقد التكنولوجيا التى دفنت تلك الرعشة.

ثالثا: لم يتخلى الكاتب (باسم شرف) عن حسه السينمائى كسيناريست، فخلق مشاهد سينمائية عديدة  فى الرواية بكامل تفاصيلها، بالمكان والزمان والموسيقى التصويرية والكادر، فمثلا فى الفصل الثانى والعشرين على سبيل المثال: "المكان: المستشفى/الزمان: بعج ثلاثة أيام من عملية سلمى/ المشهد: سلمى تخرج رأسها من شباك غرفتها، تنظر للمارة، غاضية وحزينة، تلمح وسيم على كبوت سيارته المقابل للغرفة، غارقا في النوم، ملابسه متسخة، تنادي عليه، يستيقظ، تشير له، يبتسم، تغير تعبيرات وجهها وتخبره أنها غاضبة، يدور الحوار بينهما كما جاء في الفصل، تعترف بحبها، يحدق وسيما مبتسما، يرقص في الشارع وحده، سلمى غارقة في الضحك، يصعد وسيم على ظهر السيارة ويرقص/ في الخلفية (الموسيقى التصويرية) أغنية محمد منير (غصب عني أرقص.. أرقص).

كما تأثر بواحد من أشهر مونولوجات السينما المصرية الفنان القدير "عبد العظيم عبد الحق" فى فيلم (الإرهاب والكباب) فيقول فى صفحة 119على لسان وسيم البطل بالعامية المصرية النابعة من سخرية الموقف: (أنتم فاكرين أنكم كده عايشين؟.. أنتم عايشين بالكدب.. أيوه كلموا في بعض.. محدش يسيب اللي جنبه.. أيوه يا مدام سيبى الأستاذة تاكل فيكى.. زعلانة ليه ما أنتى بتاكلى فى اللى جنبك) إلى آخر المونولوج.

ثمة نقد سياسى فى الرواية ويتبعه غالبا نقد إجتماعى لاذع وكأن الكاتب يقول العيب ليس فقط في المتربعين على عرش الحب وإنما فينا أيضا، فيتحدث مثلا عن غياب الطبقة المتوسطة التى صارت مع الزمن تحت المتوسطة لكنه يرجع ذلك أيضا لإحتفاظنا ببعض العادات والتقاليد الخاصة التى عفى عليها الزمن، كذلك يرجع السبب فى طيران عقل الوالد للخصخصة التى تبنتها الدولة فى فترة ما لكنه يتحدث بعد ذلك عن سلبية المواطنين الذين وقفوا مكتوفى اليدين أمام اشتعال الحريق فى بيته وعن غياب المطافى!

ثم وجه حديثه إلى الناس مباشرة: (يا مجتمع عاوز يبقى كله أمين شرطة) ورأى الناس (أدوات تعذيب لناس تانيين.. عشان كده هنفضل إحنا أكبر  جلاد لبعض من السلطة)، ويذكر في صفحة 134 (حالة سعادة طبيعية في الشارع، كإنك في شارع أوروبى من الطراز الأول) فى نقد اجتماعى وسياسى لاذع وكأن الشارع المصرى فى كل صوره لا يعرف حالة السعادة الطبيعية!

وثمة نقد سيلسى لاذع أيضا لكن من خلال إيماءات غير مباشرة مثل الحديث عن (سلمى) التى ترتدى الحجاب الذى لم تختاره يوما ولم تحبه فى إشارة غير مباشرة لدخول "الوهابية" إلى مصر منذ سبعينيات القرن الماضى.

ويقدم الكاتب رؤية خاصة فى الحياة من خلال الرواية، فالحديث مع الغرباء يخلق ودا مبتورا فور إنتهاء الحكى، والغربة نصف إنتحار، والملامح مثل الطرق.. فيها من تدخلها مطمئنا وفيها من تدخلها وتشعر بخوف وتحاول الهروب مهما كانت مضاءة، والسينما خلقت للراحة.. للخروج من الشارع وما يدور به حتى وإن كان بالنوم، ولكل واحد منا دوره في المسرحية الكبيرة التى نعيشها لكن ربما يتغير الدور فى وسط العرض فقط لخلق حالة صراع جديدة على الخشبة وستظل الحياة هكذا حتى نهاية العرض.

ولا يجد القارئ عناءا كبيرا فى التعرف على "قراءات" الكاتب من خلال السرد، ولا فى معرفة "الأغانى" التى يحبها خارج الرواية وداخلها، خصوصا وأنه صدر أغنية وردة "لو قابلتك من زمان" عنوانا للرواية.

فصمويل بكيت ربما كان يفكر فى الانتحار لو رأى عبثية الحياة فى مجتمعنا، وأضواء السيارات تشبه النور الذى وجده دانتى وهو يسير فى غابة موحشة، وحين يصل (وسيم) إلى حالة الصراخ يلجأ إلى (جحيم دانتى) مرة أخرى ويردد كلماته: "يا ربات الإلهام.. يا روحا عظيمة.. أعينينى الآن.. يا ذاكرة دونت من رأيت.. هو ذا الموضوع الذى يتخلى فيه نبلك".

أما عن الأغانى فلم يجد (وسيم) البطل أغنية يشاركنا بها الجنان والمرح والرقص على ظهر سيارته سوى أغنية محمد منير "غصب عنى أرقص.. أرقص"، وسماع صوت صدى الحبيب وأنت تتحدث مع الغرباء لا يتخلف عن صوت بليغ حمدى فى صوت وردة وهى تغنى المسرح لأول مرة! والجملة الأنسب فى علاقة (وسيم) و(سلمى) كانت فى أغنية وردة التى تصدرت الرواية (آه لو قابلتك من زمان).

الجميل أن الكاتب لم يقع فى فخ اختصار قسوة العلاقات الإنسانية فى العلاقات العاطفية فقط، بل على العكس خصص فصلين كاملين عن قسوة من نوع أخر، صحيح أن بعض القراء قد يشعروا بانفصال عن الرواية لكنهم سوف يدركون بعد ذلك أنهم أمام نفس حالة القسوة لكن فى شكل آخر، فمثلا فى الفصل السابع عشر تحدث عن المطرب طارق نور صاحب أغنية "آه منك أنتى" التى غناها فى عام 1992 وحقق نجاحا كبيرا فى بداية التسعينيات، ثم دارت الدنيا عليه فمرض ولم يعد يغنى، كأن الكاتب يقدم نوعا آخر من القسوة هو قسوة الزمن، قسوة الأضواء حين تغيب، قسوة أن تسمع لحنا ولا تستطيع أن تغيه!

أما فى الفصل السادس والعشرين، فيتحدث الكاتب عن صديقه "مصطفى عبد الفتاح" الذى استعد للسفر إلى بلد غريب، لكنه -ويا للأسف- مات قبل السفر بيوم واحد، ليقدم نوعا آخر من القسوة هى قسوة الغربة التى ما إن فكر فيها صديقه رحل لكنه رحيل بلا عودة، قسوة الحزن على الأحلام المهدرة فى الوطن!