الإثنين, يونيو 17, 2024
Dawen APP
الرئيسيةمقالاتأحمد المرسي يكتب: ذكريات وطقوس.. عن عيد الكتب أتحدث! 

أحمد المرسي يكتب: ذكريات وطقوس.. عن عيد الكتب أتحدث! 

عندما ولدتْ كان معرضُ الكتابِ لا زال في دورته الـ 23، وبسبب نشأتي في مدينة بعيدة نسبيًا عن القاهرة، كنت خلال طفولتي وبداية مراهقتي أنظر إلى سكان القاهرة نظرة الحاسد، وهي نظرة أشبهها في حديثي دائمًا بنظرة شخصية “دياب” في فيلم “الأرض” عندما قال لمحمد أفندي: “يا ما أنتوا ممتعين نفسكوا يا أهل البندر”، فأهل القاهرة قريبين جدًا من هذا المعرض، ولن يكلفهم الأمر سوى نصف ساعة ليكونوا وسط الكتب، ولكني بعيد مئات الكيلومترات عنهم.

ولذا كنت أتحمل عبء طلب الكتاب الذي أريده من أي مسافر صدفة إلى القاهرة في وقت المعرض، وهذا كان البديل الوحيد في عصر ما قبل “التسوق عبر الإنترنت” و”التوصيل حتى باب البيت”.

للقراءة| 17 تصريحا لـ أحمد المرسي.. عن وصول “مقامرة على شرف الليدي ميتسي” للقائمة الطويلة للبوكر

لم تكن مشكلة البعد الجغرافي هي المشكلة الوحيدة كذلك، فهناك مشكلة تكمن في أني لا أعرف ما هي الإصدارات الجديدة، فلم يكن هناك “فيسبوك”، أو مواقع تواصل اجتماعي، للإعلان عن الكتب الجديدة، فأنا لم أعرفهما إلا بعد أن كبرت وانتقلت بالفعل للقاهرة خلال دراستي الجامعية. 

 وفي وضعي ذاك لم أكن أعرف بوجود عنوان جديد إلا عن طريقين: 

الأولى: أن أسافر للقاهرة مباشرة لأعرف هذا عن طريق رؤيا العين، وكان هذا مستبعدًا. 

والثانية: أن أفتش الصحف والمجلات وأغلفة الكتب التي قرأتها مؤخرًا بحثًا عن إعلان كتاب “كانت بعض دور النشر تعلن عن كتبها المزمع إصدارها في نهاية كل كتاب”. 

وربما هناك طريقة ثالثة وهي أن أرى ليستة الكتب الأقدم التي أصدرها كاتبي المفضل، “وكانوا يكتبون قائمتين الأولى بإصدارات دار النشر أو الثاني بمؤلفات الكاتب في نهاية كل كتاب”، فيذهب المرسال المسافر للقاهرة ليسأل عن الكاتب وليس الكتاب. 

ذكرى أخرى ومشكلة أخرى كانت تواجهني عندما أتذكر معرض الكتاب، فأقول إن ثقافة المكتبات لم تكن موجودة بالشكل الكافي، ففي مدينتي على سبيل المثال، لم يكن هناك مكتبات بمعناها المفهوم الآن. 

ولم يكن هناك غير مكتبة واحدة في سوق المدينة، هي في الأساس مكتبة لبيع الأدوات المكتبية، ولكن على استحياء كانت تحتفظ بصندوق عند بابها الخلفي تحتفظ فيه ببعض الإصدرات القديمة لبعض دور النشر، فإن بيعت ووجدت طريقها لمجنون مثلي كان بها، وإن لم تبع ففي هذه الحالة لم يخسر صاحب المكتبة شيئًا، فهي إصدارات قديمة على أي حال اشتراها برخص التراب، ولهذا كان اقتناع هؤلاء بالتعاقد مع دور نشر لإرسال أحدث إصداراتهم أمرًا من رابع المستحيلات، وهذا معناه شيء واحد: في حال فشلك للوصول لكتاب بعنيه فترة المعرض وعدم تمكنك من الوصول له، فإنك لن تراه ثانية! 

أتذكر تلك الصعوبات والذكريات الآن ونحن على وشك استقبال هذا العيد، وبينما أصبحت نفسي جزء من المشهد الثقافي الذي أحبه واحترمه واحترم كل من فيه. 

واليوم ومع انتشار التسوق الإلكتروني، وصفحات الإنترنت والجروبات الخاصة بالدعاية للكتب، ومئات الأغلفة التي تخرج أمامنا من كل مكان، والقدرة على طلب الكتاب فترة المعرض قبل حتى نزوله المعرض، ومع انتشار تطبيقات القراءة الإلكترونية على الهواتف النقالة، ومع اقتراب هذا العيد السنوي، لا زلت أشعر بالشغف والخوف معًا. أعتقد أن معرض القاهرة الدولي للكتاب، هو عيد لجميع الكتاب والقراء ليس فقط على مستوى محلي ولكن على مستوى عربي كذلك.  

فتتوقف العديد من الخطط والمسارات خلال الـ 14 يومًا، وتنهمك دور النشر في الإعداد لهذا “الكرنفال”. بينما يجمع القراء ما استطاعوا من مدخرات من أجل اقتناء أكبر قدر من الكتب التي أعجبتهم. 

يلتقي القراء بكتابهم، ويسعد الكتاب بمقابلتهم والاستماع إلى آرائهم عما كتبوا، فهي فرصة من “العام إلى العام” كما يقولون.

عندما طُلب مني أن أكتب عن طقوسي في معرض الكتاب لم أعرف بما أجيب، إن بعض الأفعال الصادقة لا يكون لها طقوس، ولا يجب أن يكون لها، إن قلبي يسبقني، وأشعر بهذه الرغبة في التحرر، فمعرض الكتاب بالنسبة لي فرصة لإفراغ الضغط الشديد طوال العام. 

قلبي وقتها يكون مثل النهر في الفيضان، يريد ابتلاع كل الأرفف والكتب والأغلفة، وكأني عدت هذا الطفل الصغير الذي يرى في ارتياد المعرض حلمًا كبير. ولكن إذا كان مطلوبًا مني أن أكتب عن تلك الطقوس فعليّ أن أكتب شيء محددًا، وسأحاول ذلك. 

أقول إني أزور في الغالب المعرض ثلاث مرات؛ مرتان ككاتب، ويحركني فيهما الحب والواجب والمسؤولية والامتنان، فأزور أولًا جناح دار النشر التي تتولى نشر كتبي، وأقابل الأصدقاء الذين أراهم من “السنة للسنة”، وأقابل القراء، وأسعد بتبادل الحديث معهم، والاستماع إلى آرائهم، والتوقيع لهم، ثم أنتقل إلى زيارة زملائي من الكتاب في الدور الأخرى لأبارك لهم إصداراتهم الجديدة، وأسعد بالحديث معهم. 

ثم زيارة ثالثة أنانية، أعود فيها إلى هذا الطفل القديم، وعلى الرغم من أن تلك الزيارة تكون في العادة في آخر أيام المعرض، والعديد من الإصدارات تكون نفذت، ولكنها زيارة محببة، أدور فيها بين الرفوف، واشتري كل ما ينبض له قلبي. بدون أن أقف أو أتبادل الحديث، وسرعان ما أعود للمنزل محملًا بالحقائب.

أبدأ في العادة من أجنحة بعينها، فأزور في البداية جناح الهيئة العامة للكتاب، ثم أزور جناح دار الكتب والوثائق القومية، ثم أزور جناح مكتبة الإسكندرية، وهو يحتوي على العديد من المطبوعات النادرة، ثم بعد ذلك أزور المركز القومي للترجمة، وربما عرجت على دار الهلال. وبعد أن أكون قد أشبعت رغبتي في اقتناء أكبر عدد من الكتب التي لن يسعفني الوقت لقرائتها كلها خلال الأشهر التالية، أنتقل إلى دور النشر الأخرى، لأقتني ما لفت نظري من الكتب. 

في العادة لا تحتوي قائمة مشترياتي على الكثير من الروايات، فعلى الرغم من أني أكتب فن الرواية، إلا أني أعشق الكتاب بمفهومه التقليدي، وأرى أن كاتب الرواية يحتاج إلى قراءة الكتب أكثر من قراءة الروايات، على الرغم من أن أهميتهما معًا له. 

 تتنوع عادة قائمة الكتب بين كتب التاريخ والفلسفة وفن الكتابة خاصة الكتابة الروائية والتحرير الأدبي. وعلى عكس الكثيرون أرى معرض الكتاب بشكله الجديد في أرض المعارض بالتجمع الخامس أفضل كثيرًا من المعرض القديم في مدينة نصر، ومظهرًا أكثر تحضرًا، وربما ما يزعجني فقط هو صعوبة إيجاد الشبكة الهاتفية، فأشعر أني معزول عن الرفاق، ولا أستطيع الوصول لهم أو يصلوا لي، ولكن كثيرًا ما يحيلني هذا وينبهني إلى مدى تبجحي. 

فهذا الرجل المتأفف كان منذ خمسة عشر عامًا فقط لا يستطيع أن يرى معرض الكتاب من الأساس، ولا أن يعرف الكتب الموجودة فيه، لعدم وجود ما يسمى “ثورة الاتصالات”، أما الآن فهو يتأفف متضجرًا. كم غيرتنا الحياة!

للقراءة إيمان جبل تكتب: سأظل أخلق الحكايات.. مع الاحتفاظ برفضي الكامل في أن أكون حكاية

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات