الإثنين, يونيو 17, 2024
Dawen APP
الرئيسيةمقالاتحكايات الولع المصري بعالم الخيول زمن الاحتلال الإنجليزي في "مقامرة على شرف...

حكايات الولع المصري بعالم الخيول زمن الاحتلال الإنجليزي في “مقامرة على شرف الليدي ميتسي”

نقلا عن INDEPENDENT عربية

تتناول رواية المصري أحمد المرسي (1992) “مقامرة على شَرف الليدي ميتسي” (دار دَوِّن، القاهرة) التي بلغت القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية، عالم الخيول وهو موضوع قليل الحضور في الرواية العربية، على رغم ما عُرِفَتْ به العرب منذ القدم من ولع بالخيل والتفاخر به. فذكر ابن رشيق القيرواني (999: 1064) في كتابه العمدة أن العرب “كانوا لا يهنأون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ أو فرس تنتج”. وكانت سباقات الخيل على رأس أنشطتهم الاجتماعية، وبسبب التلاعب في نتائجها ربما قامتْ حروب طاحنة، كما كانت الحال في حرب “داحس والغبراء” الشهيرة. وتغنتْ أشعارهم بالخيول ومن أشهرها ما قاله إمرؤ القيس (501: 540).

في هذه الرواية يعيد المرسي تسليط الضوء على الخيول أدبيّاً في الربع الأول من القرن العشرين، عبر سباقات الخيل التي كانت تقام على النمط الغربي في ضاحية مصر الجديدة وتحظى باهتمام الطبقة الثرية والطامحين في الثراء السريع. يبدأ المرسي روايته بمقولة للمعلم الروحي الهندي برمهنسا يوغانندا (1893: 1952): “إن الأمنيات التي لم تتحقق هي أصل عبودية كل إنسان”. وهي مقولة تعبر عن مضمون الرواية التي تبرز الأمنيات التي تنقضي على وتيرتها حياة الإنسان.

أحمد المرسي

رواية سباق الخيول في مصر العشرينيات (دار دوَن)

 شخوص الرواية محكومون بالأمل، ذلك الوقود الذي يحركهم على رغم الهزائم المتكررة التي مُنِيوا بها في سبيل تحقيق أمانيهم، معلقون بين أمنيات مستحيلة، كالرغبة في عودة ميت إلى الحياة، أو شفاء عزيز من مرض عضال. هذه الحالة يعبر عنها “مرعي” (أحد شخوص الرواية) بالقول: “محدش في الدنيا دي بينول مناه”. أو بين تحقق أمنيات بدت مستحيلة، لكن ما إن تتحقق حتى يجد صاحبها نفسه غير قادر على الشعور بالفرح، وكأننا بصدد ما جاء في قصيدة قسطنطين كفافيس “إيثاكا” من أن الطريق إلى الحلم أجمل مِن تحقق الحلم نفسه. فالكنز في الرحلة نفسها لا في الوصول إلى الغاية، وهو ما تعبر عنه “الليدي ميتسي” بعد تحقيق ما كانت تظنه يسعدها بالفوز في أحد سباقات الخيل، بقولها: “كالعادة؛ عندما أصل إلى ما أريده، يفقد معناه، يذبل ويجف، ثم يتهشم بين يدي”.

مضمار الخيل

في هذا الإطار العام الفلسفي، تدور أحداث الرواية عن سباقات الخيل التي كانت تقام في مصر الجديدة عام 1920، ثم عُطلت عام 1969 باعتبارها مظهراً من مظاهر الاستعمار والرأسمالية. وترتّب على ذلك تحويل مضمار السباق إلى حديقة وصالة سينمائية، ثم مع الوقت نال الخراب من المكان. يتلاقى شخوص الرواية الأربعة في هذا المضمار. الأول فوزان الطحان ابن جزيرة سعود في صحراء محافظة الشرقية المنتمي إلى قبيلة الطحاوية المعروفة باقتناء الخيل العربية الأصيلة، وأيضاً بتعاونها مع الإنجليز ضد أحمد عرابي في موقعة التل الكبير (1882) التي انتهت باحتلال مصر. والثاني الضابط في سلاح السواري سليم حقي الذي أُقيل من عمله بسبب تعاطفه مع المتظاهرين في ثورة 1919 ورفضه إطاعة الأوامر القاضية بقتلهم. والثالث مرعي المصري؛ سمسار الخيول. ورابعتهم الليدي ميتسي، وهي أرملة ثري مصري. كان الأربعة مثل كرات البلياردو، تلاقوا في لحظة خاطفة من الزمن، تصادموا، ثم تقاطعت حيواتهم، ثم ارتدَّ كل منهم في اتجاه ولم يلتقوا ثانية… أبداً”. على حد وصف السارد. يتشارك الأربعة في الشغف نفسه. لكن لكل منهم أسبابه الخاصة. مرعي يبحث عن الثراء، والضابط يريد المكسب السريع لعلاج زوجته المريضة وترتيب أحواله الاقتصادية التي ساءت، والليدي تريد تحقيق أمنية طفلها الميت الذي كان يحلم بالفوز بسباق خيل، “فوزان؛ الفارس الصغير المرتبط بفرسته “شمعة” التي بِيعَتْ إلى الليدي، ويجد نفسه غير قادر على أن يفارقها.

يتشارك الأربعة في المآسي التي عصفتْ بهم، بخاصة المتعلقة بمصيبة الموت وفقدهم أعزاء عليهم. فالصبي فوزان شاهد جثة أبيه مقتولاً على يد عمه، فتحوَّلت حياته في القبيلة من النعيم إلى الشقاء. استولى عمه برجس على أموال أبيه، وعامَله كما يعامل السيد عبيده؛ يحرس خيوله ويعتني بها وينام تحتها. أما مرعي، فتطارده ذكريات زوجته زينب التي ماتتْ منتحرة أمامه بأن أَحْرَقتْ نفسها بعد أن يئست من تبدل أحواله. والليدي ميتسي تطاردها ذكريات ابنها ديفيز الذي مات صغيراً في إنجلترا، وتتوسل إلى الله أن يعيده إليها حيّاً. فيما يترقب سليم حقي الموت الذي يحوم حول زوجته عايدة من دون أن يستطيع أن يدفعه عنها بعد إصابتها بمرض عضال في جهازها التنفسي.

للقراءة| الكلب الذي رأى قوس قزح.. حينما نقف على حافة الحياة!

يعاني الأربعة من الشعور بالاغتراب المكاني والزماني والنفسي والاجتماعي. فوزان أُحضر من الصحراء إلى مدينة لا يستطيع فيها أن يرى النجوم والقمر، أو أن ينعم بالحرية التي اعتادها في البراح. يتقاسم الشعور بالاغتراب المكاني مع عايدة القادمة من المنصورة (شمال القاهرة). وترافق ميتسي الغربة المكانية ببعدها عن بلادها، والاغتراب النفسي المتجسد في عدم قدرتها على التأقلم مع محيطها الاجتماعي الأرستقراطي: “إنهم لا يحبونني، لأني لست منهم ولأني حشرة لا أعرف كيف يأكلون ولا أعرف أن أتحدث بالفرنسية مثلهم، لا أعرف عن ماذا يتكلمون، وكيف يشربون الشمبانيا، لقد كنت فقيرة في إنجلترا، فقيرة للغاية…”. هو الاغتراب ذاته الذي يعتمل في نفس سليم حقي، بخاصة بعد إقالته من وظيفته، وكذلك عدم قدرته على التناغم مع الطبقة الراقية التي يُدْعَى إلى حفلاتها: “أول ما فكر فيه أنه لا ينتمي إلى هذا المكان، لا يوجد شيء يربطه بهؤلاء – أي الأثرياء – إن امرأته تموت ولا يجد ما يسد رمقها، إنهم بعيدون كل البعد عن تلك البقعة التي يقف فيها ليواجه مصيره وحيداً، شعر بكره شديد للغتهم وأشكالهم اللامعة والروائح التي تفوح منهم”. وهو لم يستطع أن يجد هذا التناغم مع الطبقة الدنيا التي شارك أفرادها مراهنات حلبات “صراع الديوك” التي كانت تقام في الساحات الشعبية في القرن الماضي. حتى الطبقة العسكرية التي ينتمي إليها لم يستطع التماهي معها، ولا أن يقوم  بالتنفيذ الأعمى للأوامر العليا؛ بقتل أو سحل أبناء وطنه لمصلحة المحتل، بسبب ميوله الوطنية ومحبته للزعيم سعد زغلول.

اغتراب ووحدة

يرافق ذلك الاغتراب شعور بوحدة قاسية. ميتسي غلوب التي فقدت ابنها الوحيد، لا تجد من يؤنس وحدتها في قصرها الفخم الذي ورثته عن زوجها المصري الذي جاء بها من صقيع أوروبا، وحوَّلها من طبقة البروليتاريا إلى طبقة الأرستقراطيين: “ظلت تحمل هذا الهاجس طوال حياتها، لقد انتهت وحيدة في هذه الدنيا، حتى الإنجاب لم تعد قادرة عليه. مات كل من هم لها في هذه الحياة وستموت وحيدة بعد عام أو اثنين أو عشرين”. الوحدة ذاتها تضرب أعماق مرعي المصري بعد رحيل زوجته: “رفع رأسه وأخذ يتأمل الطريق، كانت هذه هي أول مرة يدرك فيها أنه وحيد بلا ونيس في الحياة، لم يجد مَن يخبره بما جرى له. لم يجد أدنى حقوقه في حياته: أن يتكلم ويحكي ويعبر عما يعتمل بصدره”.  يعاني الضابط من ضعف ألمّ به من بعد قوة منحته إياها وظيفته؛ فابتعد عنه زملاء العمل. وقبل ذلك كان قد قطع علاقته بأبيه لأنه طالبه بتطليق زوجته العاقر. بات غير قادر على أن يجد له سنداً بعد أن أدارت الحياة ظهرها له حتى باع كل أثاث بيته واستدان من القريب والغريب. وتتكثف هذه الوحدة في الصبي فوزان بن مجلي الذي وجد نفسه وحيداً بعيداً من أهله وأمه والعالم الذي ألفه، عندما جيء به إلى مدينة اضطر إلى المبيت على أرصفتها من دون غطاء في صقيع لم يرحم عظامه الرقيقة.

نجح المؤلف في صياغة عوالم هذه الشخصيات بصورة مميّزة، عبر الاعتناء بتقديم دوافعها النفسية والاجتماعية التي تحركها تجاه أيٍ من الأفعال التي تقوم بها، بخاصة مرعي المصري، الذي جسَّد من خلاله طبيعة اللغة الدارجة في مصر في تلك الحقبة، مما أضفى على الرواية مزيداً من الواقعية في رسم تفاصيل تلك المرحلة التاريخية. ومن مواطن قوة الرواية كذلك قيام مؤلفها بتوظيف الأحداث التاريخية بما يخدم السرد، فضلاً عن إجادته رسم جغرافيا القاهرة ونشاط أهلها في هذه الفترة: أسماء بيوت البغاء التي كانت تنتشر فيها وأماكنها، ووسائل تسلية الناس من الطبقات كافة، أسماء أثرياء هذا الزمن، وطبيعة المهن الموجودة فيه، وكذلك ألفاظه مثل “كديش” التي تطلق على الحصان غير الأصيل، “وارد سُلطة” أي الخيول العائدة من الحرب، و”السواري” أي سلاح الفرسان. وهذا ما دفع المؤلف إلى استخدام الهوامش لإيضاح معاني تلك الألفاظ القديمة أو الأحداث التاريخية التي جرت آنذاك من دون إفراط  يؤدي إلى تشتيت القارئ.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات