الثلاثاء, يوليو 23, 2024
Dawen APP
الرئيسيةريفيوهاتريفيوهات القراء| "الكلب الذي رأى قوس قزح" ومعاناة الاكتئاب

ريفيوهات القراء| “الكلب الذي رأى قوس قزح” ومعاناة الاكتئاب

ماجد شعير

في رواية “الكلب الذي أصابه قوس قزح”، أزمة بطل فقد هويته كان يحلم بالثراء فتعارض مشروعية الحلم مع قسوة الواقع حتى فقد كل شيء فأصبح كالعبد بعد أن كان السيد، حاول أن يلتمس النور ولكن نور كانت سبب ظلامه، كان يسعى للكمال فوضعت له الحياة كمال في طريقه لينغص عليه حياته حتى انتهى، حاول أن تصفي له والدته فجاءت صفية لتتنكر له.

الرواية جسدت كثير من المعاناة والألم ولكن أسأل نفسي لماذا عليٍّ أن أعيش كل هذه المعاناة مع البطل فقد أصابني ما أصابه؟ نحن نقرأ الروايات من أجل المتعة والهروب من الواقع الأليم نسرح بخيالنا مع الكاتب ربما نجد الحب المفقود أو الثراء المأمول أو نجاح بعد فشل المهم أن نجد فيما نقرأه ما نفتقده في حياتنا، لقد تعودنا منذ الصغر عند مشاهد فيلم أن النهاية يجب أن تكون سعيدة تترك لك شعور بالأمل أن الغائب سيعود والمظلوم ينتصر والأحبة سيلتقون لتشعر بنشوة واهية و لكنك تفرح.

منذ بداية أول فصل كانت الافتتاحية بمشهد سيارات الإسعاف وعربات الأمن المركزي وجموع من البشر تشعر أن حدث جلل قد وقع للمرضى فتبدأ في القلق والخوف مما يدفعك إلى توقع، العمل يندرج تحت تصنيف الرعب مع أنها ليست كذلك ولكن قد قرأت منذ فترة مقال لكاتبة تهتم بأعمال الرعب تتحدث فيه أن الرعب ليس فقط أشلاء من الجثث ومشاهد تحبس الأنفاس وتوقع الهلع في النفوس فهناك أيضا الرعب النفسي.

الكب الذي رأى قوس قزح

وهذا العمل قد أوقع الكثير من الرعب في نفسي، فأجواء العمل جرت في غرفة مستشفى ثم انتحار أحد المرضى الذي ظل بجوار البطل فترة ثم حدوث هلع وكارثة نقص الأكسجين مما أدى لوفاة العديد، وانتحار سيدة والحديث عن وفاة ابنة ممرضة بالغرق. ثم حياة البطل في القبور وتخفيه من الزائرين وسرقة طعام الصدقة، كانت مشاهد مرعبة بل سيطر الموت على الرواية منذ ميلاد البطل الذي مات له أخوة وحادثة زوجته وابنه.

هناك قطارات في حياتنا تفوتنا نندم عليها ولكن هنا يمر في حياة البطل قطار لو كان يعلم ماذا سيحدث له لتمنى أن يفوته. حدث بُنيت عليه القصة وهو الحدث الأساسي عند صعود البطل للقطار ثم معرفته بذلك المشروع بالصدفة الذي فتح له باب الحلم بالثراء، وأخذني الفضول لمعرفة هل سيحقق البطل حلمه ويصبح أحد الأثرياء ويخرج من الريف بكل معاناته إلى المدينة ويعوض والديه عن سنوات التعب؟

تحقق حلم الثراء بالفعل ولكن ليته ما تحقق وليته لم يصعد القطار، في تلك اللحظة مع النهاية تمنيت أن يفوته هذا القطار أو تعطله، فليس كل ما يتمناه المرء فيه الخير وما نحن فيه من عذاب ربما هو النعيم ولا ندرك ذلك، نحن نلح في الدعاء أن يجعلنا الله من الأثرياء ونشعر بالحزن على عدم قبول دعوتنا ولا نعلم أن فيها هلاكنا إن استجاب الله.. إن أفضل ما نتمنى أن يرزقنا الله راحة البال لا شيء آخر وهذا ما كان يطمع فيه والد البطل لا يريد سوى حياته في بيت من الطوب  اللبن وقليل من الطعام هكذا يرى راحته التي تعارضت مع رغبة ابنه في حلم الثراء والحياة المرفهة مع مشروعية حلمه.

لا أعلم هل هي دعوة ألا نحلم ونرضى بحالنا ونتمسك بكل ما هو قديم أم لا نفرض ذلك التغيير على غيرنا ونحترم رغباتهم؟ هل عاقبت الحياة البطل بما فعله مع والديه؟ أعتقد لم يكن يستحق كل ذلك.

في كل فصل من فصول الرواية ألم مختلف ومؤذي وأشدهم كان الشعور بالخيانة والشك في نسب أولاده مع الشعور بكل درجات الألم، إنه في المنتصف المميت لا تيقن من شكه ولا من الاطمئنان على إخلاص حبيبته ولا حتى كان قادراً على اتخاذ أي قرار تجاه شكوكه في حياة زوجته ووقف تلك المهزلة فتعامل مع الأمر بسلبية مطلقة لا تنم عن شخصية رجل أعمال ناجح وطامح.

لماذا أصبحت حياة البطل بهذا الشكل؟ ما الذي جناه في حياته لتكون هذه نهايته؟ هل لأنه طمع في حياة مرفهة له ولوالديه؟ هل كان هذا عقاباً لأنه لم يشعر برغبة والديه الحقيقية وتسبب في موته قهراً لرفض والده نزع حياته من جذوره في بيته الذي عاش فيه وأراد ابنه هدمه وبناءه من الطوب الأحمر بدلا من الطوب اللبني والطمي؟ الحياة كانت قاسية معه دون أن يستحق كل ذلك لم تكن عادلة ولكنها تحدث للكثيرين.. لماذا رأى البطل حياته تموت أكثر من مرة دون أن يموت؟ أفكر في تلك العقوبة التي واجهها ولا أعلم ماذا جنى في حياته ليحدث له كل ذلك، بعد أن أمتلك كل شيء المال والحبيبة والأبناء اكتشف أنه ما زال فقيرا لا يملك من كل ذلك شيء حتى رضا الوالدين لم يحققه حتى اسأل نفسي لماذا عذبت نفسي مع البطل من أول البداية حتى النهاية ولم أتوقف حتى لا أصاب بالاكتئاب؟

لا شك أن الكاتب أجاد في صنع تلك المشاهد بسردية رائعة ولغة سلسة ورسم للشخصيات وواقعية وربط للأحداث، ومع بداية الغموض بدأ بعد ذلك في كشف الحقائق والأحداث ليحتفظ بشغفه حتى النهاية دون ملل.

“حين نعيد القصَّ فإننا نحكي نسختنا الخاصة من القصة، تلاشت القصة لحظة حدوثها و كل ما يحدث بعد ذلك ليس إلا نسخاً شخصية للقصة الحقيقية ولا نسخة منها تكون حقيقية حتى مقاطع كاميرات المراقبة التي التقطت لمحات مما حدث لا تنقل القصة الحقيقية فزاوية التصوير تقتل الحكاية الأصلية وتخلق حكاية مختلفة”

من الاقتباس السابق نجد أن ما نقرأه من أحداث هي من زاوية البطل فقط ونسخته الخاصة فلقد نسجت زوجته قصص وهمية لتزرع الكره بين زوجها وأولاده وتبدل حالها ولم يستدع الكاتب نور لتحكي قصتها الخاصة فماذا عن حكاية نور ولماذا فعلت كل ذلك وأين الحقيقة هل بالفعل كذلك تظل الحكاية غير مكتملة، فهي نصف الحقيقة ما زلنا نحمل الشك تجاه زوجته ولم نتبين أي حقيقة أعتقد هو نوع من الظلم وقع على جميع الأطراف. في قراءتي لرواية أخرى تحمل مثل تلك المعاناة وحين سألت كاتبها لماذا فعلت بالبطلة كل هذا ثم نهايتها الحزينة رد قائلاً لأن هذا هو الواقع فليست النهايات سعيدة دوماً بل لا يوجد نهاية سعيدة إلا في الروايات فلماذا لا ننقل الحقيقة كاملة للقارئ؟

لا أنكر أن هذه براعة الأدب في تجسيد المعاناة بدقة ومعايشة ذلك، فعندما أصيب بالحزن فقد نجح الكاتب كما ينجح الممثل في إجادة دوره مما يجعلك تبكي ولكني أريد أن أفرح وأضحك اليوم لا أن أستزيد من معاناة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات