السبت, أبريل 13, 2024
Dawen APP
الرئيسيةمقالاتمحمود عبد الشكور يكتب: "الليدي ميتسي" وخيول الأمنيات

محمود عبد الشكور يكتب: “الليدي ميتسي” وخيول الأمنيات

نقلا عن جريدة الشروق

تحقق هذه الرواية المدهشة، التى وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، نجاحها الفنى متعدد المستويات، بذلك التوازن الدقيق بين التأثير العاطفى، وإعادة تأمل أفكار إنسانية عابرة للأزمان، بين الدراسة الممتازة لتفاصيل عالمها الخاص، وتوظيف هذه المادة فى إطار معنى وحالة ورؤية، دون أن نفتقد بصمة المكان والزمان، إذ إنها أيضا رواية عن مصر فى فترة مهمة وفاصلة.
«مقامرة على شرف الليدى ميتسى»، الصادرة عن دار دون، لمؤلفها أحمد المرسى، تفعل ذلك بحس درامى واضح، وتصلح أن تكون فيلما سينمائيا مهما، بذلك الحضور الكبير للحركة والصورة، وبإزالة الحواجز بين خيول السباق فى مضمار هليوبوليس البائد، وبين تسابق شخصياتها المهزومة، للحصول على أمنيات تعدو كالخيول.

القراءة| شيماء مصطفى تكتب: “الكلب الذي رأى قوس قزح“.. أزمة نسب أم أزمة هوية؟

كأننا أمام صراع مستمر، منذ البداية حتى النهاية، وكأن جوكى السباق، وخيوله الأصيلة والمهجنة، تعبر أيضا عن الشخصيات الأربعة: ضابط السوارى المفصول «سليم حقى»، وسمسار الخيول الفهلوى «مرعى المصرى»، وسائس وجوكى الخيول الصبى «فوزان الطحاوى»، والسيدة الإنجليزية الثرية «الليدى ميتسى خشاب».
هذه الشخصيات الأربعة هى كذلك عنوان للإنسانية المعذبة، بحيرتها وتمزقها بين الأوهام والحقائق، وبين الرغبة والاستطاعة، والنصر والهزيمة، والمكسب والخسارة، والفقد والامتلاك.
الحقيقة أن لدينا خمس شخصيات محورية، وليس أربع شخصيات، فالفرسة البيضاء «شمعة» هى أيضا فى قلب هذا الصراع الذى يدور بالأساس فى العام 1920، والذى أعاد إحياء عالم سباقات الخيول فى عصرها الذهبى، بعد حرب عالمية طاحنة، وثورة وطنية عظيمة، ليضبط المرسى لعبته فى لحظة فارقة، وليجعل عالم السباق مرآة تنعكس عليها آلام وآمال شخصياته، مثلما تنعكس عليها صورة مصر الثرية والفقيرة معا، بجالياتها الأجنبية، وبمواطنيها، وبحيث يصبح سباق الخيول، وتصبح رحلة «شمعة» من جزيرة سعود إلى حلبة الرهان، وكواليس المقامرة والتدليس من أجل الفوز، معادلا فنيا، لصراعات طبقية واقتصادية واجتماعية، ومجازا ممتازا لصراع الإنسان مع نفسه، ومع أقداره، وترجمة لمعركة الحياة نفسها، سعيا لتحقيق أمنيات خطرة، تستعبد أصحابها، مثلما تستعبد الرهانات أعناق المقامرين.
هنا فكرة ذهبية حقا لم يفلتها المرسى أبدا، بل جعلها تعمل بمهارة فى شتى الاتجاهات: بدأ من دائرة محلية محدودة، ليصل إلى العام والإنسانى، وانتقال فوزان البائس من جزيرة سعود إلى القاهرة، لا يفتح عينيه فقط على العاصمة المتوحشة العامرة بالأوتومبيلات وألعاب اللونابارك، ولكنه يعبر أيضا عن منهج الرواية كلها فى الانتقال من عالم الخيول الحر الطليق فى جزيرة سعود، إلى عالم السباق الإنسانى الشرس فى المضمار المؤطر بالمؤامرات والأكاذيب.

مقامرة على شرف الليدي ميتسي


عنوان اللعبة السردية فى الانتقال من هموم كل شخصية فى حياتها المنعزلة، إلى تقاطع العواطف والمشاعر الإنسانية، متجاوزة الجنسية والدين واللغة، فتمتد جسور غير متوقعة بين سليم وفوزان، وبين عايدة زوجة سليم وفوزان، وبين الليدى ميتسى وسليم ومرعى وفوزان.
هذا هو الخاص الذى يتحول إلى إنسانى، تحت وقع سنابك الخيول المتعبة، وهذا هو الأمل والألم معا فى صورة فوتوغرافية ساكنة، تبدأ بها الرواية، ثم ينفخ فيها المرسى روح الحركة والحياة على مدى فصول الحكاية، ويعود بعدها من جديد إلى الصورة الساكنة.
لا تتوقف فنية النص عند ذلك الانتقال من الخاص إلى الإنسانى، ولا عند هذا التوازن بين حركة ظاهرة تتعدد فيها الاشتباكات والمشاجرات بين الديوك والخيول والبشر، وحركة داخلية تجعل من النفوس مراجل تغلى وتنفجر، ولا عند حضور الموت العارم، فى خلفية صورة مفعمة بالحياة، بل لعله أحد محركات السعى، لأن سليم يقامر درءا للموت عن زوجته المريضة، وفوزان تتبدل حياته بمقتل والده، والليدى ميتسى مسكونة بحلم مستحيل تستعيد به ولدها الميت، ومرعى مطارد بماضيه، وبشبح زوجته المتوفاة زينب.
ولكن البراعة أيضا فى أن كل ذلك ينشأ من داخل الحكاية، وليس من خارجها، ومن خلال مستوى واقعى، يكشف عن دراسة متقنة، وتوظيف لما يحتاجه النص، دون استطراد، وبإتقان لمستويات الحوار ومفرداته، رغم تنوعها، مع الرسم البارع لشخصيات رمادية دون تنميط، وكلها عناصر من دلائل نضج المعالجة الروائية، وتمكن الكاتب من مادته وعالمه، ومعرفة شخصياته إلى حد تقمصها، والتعبير عنها بلسانها.
وبينما نظن أن الرحلة تنتصر لمعنى الحياة كمقامرة، وكضربة حظ، وكمغامرة مجنونة، وكبشر يغتوون بالأمر المحال، ويطلبون نشوته بصرف النظر عن النتائج، ينتهى المرسى إلى العكس تماما: فالحياة عنده اختيار ومسئولية، والأمانى المستحيلة لن تتحقق، ومواجهة الحقيقة أفضل من ترويض الوهم، والحرية أهم من عبودية السعى العبثى.
وجهة نظر جديرة حقا بالتأمل، تأخذنا إليها أحداث عاصفة، وتنقلنا من الشرقية إلى مصر الجديدة والخليفة ولندن، تتحرك بنا من أسفل إلى أعلى، ومن أعلى إلى أسفل، من حلبات مصارعة الديوك، إلى سباق الخيل، ومن حانات التعساء، إلى قصر البارون إمبان، ومن جزيرة فى الصحراء، إلى مدينة وسط الرمال، ومن رهانات الأغنياء، إلى حروب الفقراء على الفتات.
نكتشف أن الرواية الذكية لا تراهن ولا تقامر إلا على عقل الإنسان، وإلا على تحرير إرادته من عبودية الوهم، لا ترى البشر من الخارج، ولكنها تراهم من الداخل، ككائنات حائرة، ومعقدة، ومثيرة للرثاء.
يطرح الإنسان أسئلة بلا إجابات، ويعيش سباقا لا يتوقف من الميلاد حتى الممات، وليست أسئلة سليم عن الشجاعة الوطنية التى أفقدته عمله، ومعركته لدفع الموت عن زوجته، وليست معركة الليدى ميتسى لاسترداد ابنها الميت، إلا عناوين على تلك الاسئلة الوجودية الصعبة، والتى تجعلنا نشعر بالرثاء تجاه كل الشخصيات، لأنها تخوض سباقا ضد نفسها بالأساس.
سعيد بأن يكون لدينا روائى شاب بمثل هذه الحرفية والموهبة، فنا وفكرا، وشكلا وموضوعا.
فانظر وتأمل كيف عندما يموت فوزان فى وضعية الجوكى، متأثرا بطبيعة مهنته، ومعبرا رمزيا عن حكايتنا كبشر. فما الإنسان إلا جوكى فوق حصان يعدو فى مضمار بلا نهاية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات