السبت, يونيو 15, 2024
Dawen APP
الرئيسيةمقالاتوتَحسبُها متلازمة ستوكهولم في "لعبة البيت"

وتَحسبُها متلازمة ستوكهولم في “لعبة البيت”

نقلا عن جريدة “القبس” الكويتية

  • سجن الكتابة.. وهو الرمزية المحيّرة، حمّالة الأوجة.. فالكتابة أمّنت صك تحرره للأبد
  • الكتابة نفسها سجنته في زنزانة البشاعة محروماً مِن إنسانيته

لو أحب سجين سجّانه وتعاطف مع آسريه وتمسّك بالبقاء فى سجنه حتى لو فُتحت له الأبواب، فربما يكون مصاباً بما يعرف في علم النفس المعاصر بـ«متلازمة ستوكهولم»، وهي الحالة التي سيظن القارئ، في البداية، أن بطلة الرواية مصابة بها حتى تتضح الصورة.

الإطار السردي

عن رواية «لعبة البيت»، للكاتبة المصرية إيمان جبل نتحدث. الرواية وصلت للقائمة الطويلة في جائزة غسان كنفاني 2023.

بطلة الرواية «ليلى» التي تعيش فى بيت أو كما تسميه قلعة العائلة السجن الأول والأكبر، ذاقت فيه كل أنواع العذاب ومع ذلك ظلّت بالبيت الذي كاد يمحو آدميتها. تبدأ القصة بالحدث الأكثر صِداماً مع عقلية القارئ. عمة تحبس ابنة أخيها «ماتيلد» في غرفة سرية في البيت لسبب بسيط، وهو إجبارها على كتابة رواية خلال خمسة أيام فقط، لا تمتلك إلا خمسة تفاحات ودفتراً وقلماً. بعدها تتفاوضان على كتابة رواية مشتركة لينتهي الاتفاق بعدول العمة عن رأيها لتؤلف هي الرواية وتدون ابنة الأخ وراءها ما تنطق به.

تنوّع الإطار السردي في الرواية بين طريقة كتابة المذكرات، وتقنية الاسترجاع، وأدب الخطابات، وكلها بلغة شاعرية. وخلال التنقل مع الرَاوية ليلى ستظهر جلية كل الآفات النفسية التي ابتليت بها البطلة مع البيت السجن وساكنيه أجمعين. الرواية نفسية بالأساس، وسيجد القارئ نفسه خلال السرد يطرح العديد مِن الأسئلة المُلّحة، ومنها: لِمَا لم تهرب ليلى من كل هذه السجون والفرصة متاحة أمامها؟

بيت العقد النفسية

كل مَن بالبيت يمتلأ بالعقد النفسية لكن العقدة الأكبر لليلى، من الأم (السيدة جيهان) التي كانت تُعامل ليلى أقل مِن عبدة فى العصور القصيّة وبالمقابل كانت ليلى، ولوقت طويل، تبذل قصارى جهدها لتنتزع منها فقط ابتسامة رضاء أو حتى التفاتة تُبيّن أن الأم تشعر بوجودها، وهذا مالم يحدث قط.

أيضا الأب الذي تفنن في تعذيب الابنة، في اعتقاد منه أنه يحولها لعبقرية تخلّد اسم العائلة، بطرق غاية في الغرابة، كحبسها في غرفة سرية لا يعلم عنها أحداً شيئاً حتى ساكني البيت. وفي سن مبكر مِن عمر ليلى عُوقبت لأول مرة، على ذنب لم تقترفه بالحبس فى الغرفة السرية لمدة خمسة أيام حتى تنتهي مِن كتابة الرواية التي ستخلّصها مِن هذا العذاب. وظلت تعاقب بالحبس بفترات يحددها مقدار سوء العلاقة بين أبويها، فأحيانا كانت تُحبس مرتين في الشهر وأحيانا مرة كل ثلاثة أشهر.

أما الأخ «مراد» الذي لم يقل إسهامه في تعذيبها عن أبويه، الأناني زير النساء الكاتب المشهور الذي صنع مكانته المهمة وسط عائلة كلها مِن الكتاب المساجين، بفضل موهبته. الأخ الذي كلما دمّر حيوات مَن يعرفهم ارتفع مجده الروائي بعدما يمتص حكايات ضحاياه ويحولها لإبداع. وكان يستلذ بتعذيب أبويه لأخته الوحيدة، التي كانت هي أيضا وقودا لإنضاج أحد رواياته.

بين كل هذه العذابات بُعث الشخص الذي أعاد إلى ليلى آدميتها التي نسيت أنها موجودة. فقد رُبيت على أنها كما كل مَن يقطنون القلعة مجرد وظيفة، أنجبتها أمها لتكون مُلكها فقط لتستعملها لأغراض مادية كما أي جماد. وجدت الحب في «عاصم» الوحيد الذي ظل متمسكا بها وواثقاً في إنسانيتها المنسية وراهن على أنها بالنهاية ستكسر القيود وتشفى، رغم أن علاقتهما وطوال عشرين عاما لم تتخطى سوى بضعة مقابلات خلال السنوات الجامعية، وحتى النهاية لم يتقابلا سوى على أوراق الرسائل المتبادلة على الطريقة الكلاسيكية.

ضرب الجذور

لا يزل السؤال ماثلا في ذهن القارئ، لِمَ لم تغادر؟ فقط تصفع الباب وراءها وترحل ولن يمنعها أحد؟ حاولت مرة الهرب لكنها لم تصمد سوى ليلة واحدة قضتها في بيت الحبيب المسافر، وفي الصباح عادت إلى سجنها.

لكن إذا أراد أحدهم الهرب مِن مكان أو علاقة أو عالم، لا بد أن يمارس فعل الوجود بالأساس، فحتى يكون للهرب معنى ينبغي ضرب الجذور في الأرض حتى تُقتلع. وهذا بالتحديد ما كانت تبحث عنه ليلى. لم تكن مصابة بمتلازمة التعاطف مع سجّانيها. كانت تبحث عن بنوة لم تحسّها يوما. تريد أماً تشعر بوجودها حتى تحس بفراقها. كانت تبحث عن أب هو بالأساس يعاقبها على وجودها بالحياة مرة بالحبس ومرة بالقطيعة لسنوات طوال. كانت تريد أخوّة أخيها التي ربّت له ابنته، بدلا من نأيه بنفسه عن العالم، بل ويستفيد بانسلال الحياة منها. هي فقط أرادت الوجود لتهرب.

سؤال آخر أكثر إلحاحاً، وهو ألا يخرج الإبداع إلا مِن رحم الأوجاع؟ فما كتبت ليلى مذكرات تحوّلت لكتابات عظيمة إلا بالسجن، رغم إنها خبأت تلك الكتابات لنفسها فقط، وكذلك إبداع الأخ والاب مِن قبلها، جميعهم كتّاب مكروبون.

السجن برمزيات متعددة

تعددت بالرواية السجون المادية كغرفة الحبس السرية، أو السجون النفسية، ومنها سجن «الماضي، الكلاسيكية، الأصول»، فالسيدة جيهان الأم تعقاب الابنة على حب قديم لم تنجح في الفوز به، فصبت كرهها وغضبها على العالم وعلى ليلى الابنة. سجن الكلاسيكية المتمثل في محتويات البيت السجن الكبير، قديم عتيق حتى البشر فيه كأنهم يعيشون في أزمنة خارج الأزمنة. بدليل أن العائلة المفترض بها أنها موجودة بالعصر الحالى لا تزال تعتمد على الصور بالطريقة القديمة، الكاميرا. التي جمّدت لهم الحياة التي لا يستطيعون عيشها، ورسائل ليلى لعاصم بطريقة تقليدية لم تستعمل الموبايل أو الوسائل الحديثة، فصار الكل حبيس الماضي. كلمة الأصول التي بها حرمت الأم ابنتها مِن الارتباط بحب عمرها، ولم تقصد بالكلمة المال فقط لكن من أي نسل ينحدرون، وهو الأمر الذي أظهر فشله على امتداد الأحداث، فالاصول الزائفة لم تؤمّن لهم الحفاظ على إنسانيتهم وبالتأكيد لم توفر لهم أدنى قدر من الحياة.

الكتابة كمحرر وحيد

سجن الكتابة، وهو الرمزية المحيّرة، حمّالة الأوجة، فالكتابة حررت مراد بعد أن كتب روايته الأولى في الخامسة مِن عمره أمّنت صك تحرره للأبد، لكنها الكتابة نفسها سجنته في زنزانة البشاعة محروماً مِن إنسانيته. وعلى النقيض كان العجز عن الكتابة تحت الضغط في البداية هو حكم بسجن ليلى مدى حياة أبويها، لكن بينها وبين أوراقها كانت الكتابة السرية لليوميات، هي محررها الوحيد من شيطنة العالم. كتبت يوميات بالجودة التي تجعل ابنة أخيها تسرقها وتكتبها على أنها رواية مِن تأليفها وتُنشر وتنجح!

شخصيات الرواية محدودة بحدود البيت، تقريبا. لكنْ هناك شخصيتان تمثلان طرفيّ النقيض، وكأنهما على طرفين متقابلين مِن العالم هما «سارا الناجية الوحيدة، زوجة الأخ، وماتيلد ابنتها من مراد».

سارا هي الفتاة الإنكليزية من أصول مصرية جاءت لتبحث عن أصول أبيها واكتشتف أن مسألة الأصول محض وهم. لكنها لم تستسلم لسجن هذا الوهم كثيراً وهربت قبل أن تمسخ شخصيتها وتمتصها جدران سجن البيت الملعون وساكنوه. هربت قبل أن تتحول مِن طاقة تشّع حياة وتنشرها في روح مَن حولها إلى كتلة من الحجر ووظيفة، مجرد متوفية تتنفس. أما ماتيلد الابنة الشيطانة التي فطنت للجحيم الذي ولدت فيه، فهي تنتمي للسجن فعلا، وتعرف كيف تطوّع من حولها باستغلال نقطة ضعفهم، هي ابنة أبيها وتربية أفكار جدتها الشيطانية، وفي الوقت عينه هي ثمرة بطن سارا ملاك الرواية.       

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات