خالد أمين
النصف الأول من المقال كتبته في السادس والعشرين من مايو عام 2015، قبل أن أتعرض لتجربة الدنو من الموت.
الضوء في نهاية النفق… الشعور بالاستجمام والاسترخاء… البعض يحكي أيضًا عن كيف أن روحه تصعد لأعلى ويرى نفسه على المنضدة والأطباء يحيطون به… عن ماذا أتحدث؟ عن NDE أو تجربة الدنو من الموت… المريض على المنضدة… يتوقف قلبه للحظات، ثم تنعشه صدمة كهربائية ليعود المريض مرة أخرى.
يعود ويحكي عن النفق والنور الذي رآه… التجربة الثانية هي OBE أو تجربة الخروج من الجسد، وهي التي ترى فيها نفسك على المنضدة والأطباء يحيطون بك.
علماء مثل أولاف بلانك وبرزنجر أجروا تجارب على حالات الخروج من الجسد. وضعوا الأقطاب على الفص الجداري الأيمن لدى المرضى لتنبيهه، وقد ظفروا بنتائج عن التحليق في الهواء وأشياء مماثلة.
مؤسسة مونرو اخترعت جهازًا ذا سماعتين يدعى “هيمي سنك”، تضعه على رأسك فتسمع ذبذبات معينة تغرقك في التأمل والاسترخاء… نفس التأمل والاسترخاء اللذين يحكي عنهما من مروا بتجربة الدنو من الموت… يعودون بحالة من الابتهاج، ثم يصيبهم الاكتئاب لأنهم يريدون أن يمروا بالتجربة مرة أخرى. في الواقع، أغلب من يمرون بتجربة الدنو من الموت يصبحون مرضى اكتئاب.
أما عن “هيمي سنك”، فهذا يقول لك بوضوح إن الإنسان مستعد لعمل أي شيء من أجل الاستمتاع، حتى لو كان جهازًا صناعيًا يشعرك باسترخاء الموت.
هناك عقاقير كثيرة تساعد في هذا… تقودك إلى الحرمان الحسي، فتمنعك من استقبال ما تقدمه لك حواسك الخمس… فتشم بلا أنف، وتسمع من غير أذنين، وتلمس من غير أنامل وهكذا… تمامًا مثل الحالة التي تمر بها كل ليلة وأنت نائم… الحالة التي تدعى الحلم.
فكرة ماري شيلي عن إعادة الحياة للجسد كانت بسيطة للغاية… هز الساعة العاطلة لتعمل مرة أخرى… هز جسد الميت بالكهرباء ليصحو… في الواقع، الآن يتم هز قلب المريض الذي توقف قلبه بالصدمة الكهربائية ليفتح عينيه ويتساءل: أين أنا؟
يلعب الإيحاء أقوى الأدوار في تجربة الدنو من الموت… الهندي يتحدث عن آلِهته الخاصة التي رآها في نهاية النفق… البوذي يقسم أنه رأى بوذا… كل فرد يرى حسب ديانته ومعتقداته… في أوروبا، هناك من تحدث عن الأقزام والشياطين التي تعذبه، وهناك من تحدث عن نور ساطع مضيء وشعور بالبهجة. في الشرق الأوسط، لا تحدث تجربة الدنو من الموت لسبب بسيط… الطب ليس متقدمًا إلى ذلك الحد الرائع… أغلب من يتوقف قلبهم لا يعودون… لا تحدث كثيرًا الصدمات الكهربائية الدقيقة التي تعيد للقلب عمله بعد توقفه بثوانٍ.
كل هذا رائع وكلام شاعري جميل… إلى أن جاء عالم يدعى بلاكمور، قال إن سبب هذا الشعور العارم بالراحة والسلام هو إفراز مادة الإندورفين في المخ… هذه المادة المخدرة التي تسبب حالة عامة من الانبساط… المخ البشري يحتفظ بها للنهاية كي يوفر على صاحبها الألم.
الفأر بين أنياب القط لا يشعر بالألم الذي نتخيله… لأن عقار الإندورفين يفرز بإفراط ليجعل النهاية محتملة… هذه لحظة لا يصير فيها الألم مفيدًا… الجسم يحافظ على الألم لأنه ينقذنا من خطر الحرق والطعن… لكن ما قيمة الألم عندما لا يكون هناك مفر؟
قال أيضًا إن الضوء الذي يراه المريض هو ضوء كشافات الجراحة.
اقتنع البعض بتفسيرات بلاكمور العلمية لتجربة الدنو من الموت، بينما رفض الباقون وتمسكوا بالتفسيرات الروحانية.
كما قلت، الإيحاء شيء مزعج، ويجعل كل شيء عامًا ومشككًا فيه… هل يتحدث من مرّ بالتجربة عن النفق والضوء لأنه فعلاً رآه؟ أم لأن الآخرين تحدثوا عن هذا قبله، والفكرة كانت مختبئة في عقله الباطن تنتظر الخروج بشراسة؟
من يتعاطى المخدرات… هل يشعر حقًا بالنشوة؟ أم أنه الإيحاء لأن الآخرين قالوا ذلك؟
السؤال الأوقع: هل هناك حقًا تجربة كتلك؟ أم أن الأمر كله مجرد نقص وصول الأكسجين إلى المخ، مما يسبب الهلاوس؟
كعادة أي شيء مثير للاهتمام، ستدور حوله الكثير من الأسئلة التي تخرج لك لسانها وتقول لك: “ابقَ قابلني لو لقيت لي إجابة!!”
ثمرة بابافِر سومنِيفيرام… أو كما يدعونها ثمرة الخشخاش العجيبة… التي فتنت فان جوخ ورسمها في لوحة له… عندما تُجرح تلك الثمرة، تنزف دمًا… هذا الدم يشكل ثروة تجار المخدرات في العالم، لأنه يحتوي على المورفين والكودايين والنارسين والبابافرين…
طبعًا، تلك الشجرة موجودة في بورما، وتحرسها ميليشيات عسكرية قوية مشكوك في أمرها… لو لم تكن تلك الثمرة موجودة، في الأغلب لما سمع أحد منا عن مصطلح الهلاوس إلا قليلًا… والسؤال هنا: أكنّا سنسمع عن تجربة الدنو من الموت؟
شخصيًا، أنا أعتقد أنها هلاوس وأميل لنظرية بلاكمور، لكني أقولها بكل بساطة: لا أعرف… أنا لم أمر بهذه التجربة، ولا أستطيع القول إنني متحمس للغاية أن أمر بها.
إلى هنا ينتهي الجزء الأول من المقال، والمصدر هو الكتاب الرائع NDE للعبقري د. أحمد خالد توفيق، الذي ألهمني واقتبست منه الكثير إبان كتابة هذا المقال.
والآن… الجزء القادم من مقال Near Death Experience تمت كتابته في الثامن عشر من مارس لعام 2025، بفارق عشر سنوات، وبعد تعرضي لتجربة الدنو من الموت أكثر من مرة!
فهي تجربة صغيرة سأطلب منك أن تفعلها ..
أغمض عينيك وعد من 3 إلى 1 وردد اسم “سلمى” في ذهنك .. أيًّا كان الاسم أو الكلمة .. فقط ردده في ذهنك، كأنك تخوض محادثة عقلية، فكر به، انطقه داخل عقلك وأنت مغمض العينين دون أن تتحدث ..
هيا .. أغمض عينيك ..
3
2
1
سلمى ..
هل قلت الاسم داخل عقلك؟
لقد سمعته، أليس كذلك؟ سمعته دون أن تحرك فمك، أو تصغي بأذنيك إلى محيطات خارجية، فمن قاله؟
من هو الذي بداخلك وقال الاسم؟
صوتك الداخلي؟ ما هو صوتك الداخلي؟ من أنت حقًا؟ تقول: هذا هو اسمي، وتلك هي يدي، وهذا ذراعي، فمن أنت بحق؟ من الذي تحدث بداخلك؟ ما هو الوعي؟ لماذا حجب عقلي ألم الحادثة البشعة وأراني الحلم الجميل؟ ..
تجارب الدنو من الموت حقيقية وتغير شيئًا ما بداخلك، يتحدثون عن القدرات اللامحدودة للعقل البشري.
طاقة الجذب، الـ Manifestation،
امتداد لقوله: “إن الله عند ظن عبده به”، ولا تنس حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فيما مفاده:
رجل عجوز مريض زاره الرسول، فقال له فيما معناه: “لا بأس، علة طهور”، فأجابه الرجل بشيء من غرار: “بل هي علة أصابت رجلًا عجوزًا سيزور القبور”، فقال له الرسول “نعم إذن”.
كما تظن سيحدث. الطاقة العقلية، ومسألة أننا نصبح ما نفكر به، والهوية الداخلية، واكتشاف هويتك ومن أنت، ولحظة تجردك من الطفل الداخلي واكتسابك للوعي، وخلق الشخصية البديلة، وكل تلك الأشياء التي ستجعل فرويد يرقص فرحًا ..
يتحدثون عن العين الثالثة، التي تنفتح عند البعض، عندما يمرون بتجارب قاسية، كلا، “قاسية” ليست مناسبة، عندما يمرون بجحيم وعذاب عقلي وروحي أو جسدي، وأن درجة الألم تلك تجعلهم يستبصرون، فيشعرون بطاقة من حولهم، بعد اكتسابهم الوعي. كلام جميل منمق ومناسب لرواية خيال علمي، أليس كذلك؟ هؤلاء يشعرون بألم في منتصف رأسهم، موضع العين الثالثة، ويشعرون بطاقة من مروا بتجارب دنو من الموت مثلهم، يرون الحقيقة والزيف في أرواح الآخرين، يرون التعفن داخل أجساد المنافقين والكذابين مثلًا، ويشمون رائحة كريهة عند الاقتراب منهم.
هناك أبحاث علمية لا حدود لها في هذا الشأن. غريب أمر الإنسان، أليس كذلك؟ ينفر مما هو غير معتاد ويتقبل ما هو معتاد مهما كان منفرًا. نرى مجذوبًا في الشارع فلا نلقي بالًا، لكننا نتوجس من فكرة أننا لا نعرف ذاتنا ..
كارل يونج قال: إن الفرد قد يفعل أي شيء مهما كانت سخافته كي يحجب عقله ويسلم نفسه لعقله الباطن ولا يواجه ذاته. فلا تكن ردة فعل للعالم، وكن هوية، وافهم ذاتك، ولسوف يأتي يوم يسألك العالم عن هويتك، ولو لم تمتلك إجابة، فلسوف يمليها عليك العالم ..
الخوف، الإرهاق، والقلق، “اللي يخاف من العفريت يطلع له”.
حالات الشجار في الشوارع، القتل، السرقة، الاغتيال النفسي بين الأصدقاء والأزواج، كل تلك الأشياء، يا سادة، هي “مستر هايد”، اللاوعي وقد تحرر من “د.جيكل”. الحديث هنا عن رواية “جيكل وهايد” لـ ر.ل ستيفنسون، والتي استند عليها فرويد ويونج في تأسيس التحليل النفسي ..
هناك جنون في العالم .. لا أقول إنك في حلم ولن تعرف سوى بعد أن تستيقظ، وأنك مثل شخصية في لعبة فيديو، كل ما حولك هو انعكاس لما يراه عقلك وتظنه، وأنك لو سيطرت على عقلك وأخذت التحكم، سيتغير عالمك والطاقة من حولك بالكامل. لا أقول لك “استيقظ”، ولا أقول إن تلك رحلة روحانية وعقلية يخوضها البعض ويكتشفون الحقيقة بأنفسهم، لا أقول لك إن الواقع هو ما يصوغه الآخرون من حولك، وأن بإمكانك تغيير واقعك، وبالتأكيد لن أقول لك إن عقلك مصنع، يجب عليه وضع سياج حوله واختيار ما يبثه الآخرون، وفلترة ما يدخله ..
ربما أقول: تبنَّ لنفسك “مايند سِت” وافهم نفسك.
ربما أحاول أن أدفعك كي تسيطر على عقلك ولا تكن ردة فعل للطفل الداخلي ..
لكني بالتأكيد أهيب بك أن تبحث وتقرأ، اختر ما تدخله لعقلك، وابتعد عن التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، كن باحثًا، وعُد إلى الكتب والسينما والمسرح والأوبرا، واختر ما تريده أن يدخل وجدانك الجمعي ..
ماذا عن تجارب الدنو من الموت الأخرى التي مررت بها؟
إحداها كانت شلل النوم ونوبات الفزع الليلي وفقًا للتفسير الطبي، أو الجاثوم وفقًا للوجدان الجمعي، أو واجهت مسخًا من انعكاس عقلي وفقًا لفرويد ..
حالة شلل تام، لا تستطيع تحريك إصبعك قيد أنملة، وهناك شيء يجثم على صدرك ويقول لك أبشع الأفكار، ويخرق بها كل التابوهات المحرمة، كأن هدفه الوحيد هو إفساد روحك ..
ستجدون هذا المشهد في رواية “جرائم الغراب السبع” ..
على أي حال، العقل البشري، لا شيء قادر على إيذائك مثل أفكارك، ولا شيء قادر على علاجك مثل أفكارك ..
لتثور فيضانات العالم، وتحل العواصف، ويثور القتلة، العالم الخارجي موجود وعليك التصدي له، لكن على الأقل، كن متمكنًا مما تستطيع السيطرة عليه .. عقلك، لا تجعله مسخًا، اجعله حليفًا وسلاحًا لك ..
والآن .. هل مررت بتجربة NDE من قبل؟ أو حالة شلل نوم ونوبات فزع ليلية؟ ..