الأربعاء, فبراير 26, 2025
Dawen APP
الرئيسيةريفيوهات"عابرون".. رحلة بين الحياة والموت حيث لا شيء كما يبدو

“عابرون”.. رحلة بين الحياة والموت حيث لا شيء كما يبدو

رحيل خير زاد نقلا عن “مكتبة وهبان”

لا تسلِّم عقلك لحكَّاءٍ يشحذ حبَّك أو بغضَك؛ فهناك من البشر من لم يجد من يروي حكايته

في عملها الروائي الأول “عابرون” والصادرة عن دار دوّن للنشر والتوزيع، قررت الكاتبة سمر عبد العظيم أن تصحبنا في رحلة ممتعة مليئة بالطب الشرعي والتشريح، لكنها لم تقتصر على تشريح الموتى فقط، بل قامت بتشريح أبطال الرواية جميعًا، سواء من احتفظ منهم بحياته أو من فقدها. لنكتشف أن استمرار اتصال الروح بالجسد ليس دليلًا على الحياة.

يبدأ العمل في محطة قطار، في منتصف الليل، خلال ليلة ممطرة. يتحرك القطار بركابه، وعلى غير المتوقع، يبدو أن قطار النوم المتجه إلى أسوان يمتلك من السحر ما يجعله يخرق القوانين! فلا عجب أن نجد مرور الساعات فيه يعادل مرور سنوات، أو أن يرى البعض أشياء لا يراها الآخرون، وقد تفقد أمٌّ مجذوبة ابنتها، رغم أنها لم تكن معها أصلًا بشهادة الشهود! بل ليجمح بنا الخيال أكثر، فنكتشف جثة بلا قاتل أو مسرح جريمة! فهل ستتمكن من حل اللغز، أم ستنتظر حتى يحله وليد ومنتصر لتقف مبهورًا بهما؟

خلال الرواية، ناقشت الكاتبة العديد من القضايا الفلسفية، وقامت بتشريح الحالة النفسية للأبطال بمشرط خبير، وكأنها اعتادت أن ترى الأشخاص تحت المجهر، فتكتشف ما خفي عن عيون البشر. تحدثت عن الحب والحياة وفلسفتهما على لسان هيام، مستعينة باقتباس لجلال الدين الرومي:

من دون الحب، كل الموسيقى ضجيج، كل الرقص جنون، كل العبادات عبء

موضحةً على لسان البطلة رؤيتها ومذهبها في الحياة، والذي يتلخص في:

الرقص ليس جنونًا… ولا السفر، ولا الحلم، ولا الحياة. الجنون هو ما نخبر به أنفسنا لنحرمنا الحياة

أما على لسان عمر، فقد ناقشت الكاتبة العلاقة بين العقل والقلب وأهمية الموازنة بينهما؛ فالحياة لا تخضع لمعيار واحد فقط. ما يعجز العقل عن فهمه، قد يراه القلب بوضوح، ودون الحاجة إلى تفسير. كما توغلت في روح المرأة واحتياجاتها، حيث قالت:

ليس هناك ما هو أشد ألمًا من الدين المتراكم. مع المرأة، الدين لا يزيد بزيادة طردية مع الوقت، بل يتضاعف كلما مر الزمن

وفي حديث آدم، نجد تأملًا عميقًا في أثر الماضي علينا، وكيف لا يتركنا مهما حاولنا الهروب منه:

لا شيء يذهب دون أثر. كل شيء يبقى، حتى وإن تركناه خلفنا وحصَّنَّا أنفسنا منه بسنين من المستقبل؛ نبني بيننا وبينه سنة بعد سنة، وكأن كل سنة وحدة بناء في ساتر وهمي، لا ينفك يعلو ليُوهِمَنا أنه صار بيننا وبين ما فعلنا حصنٌ متين. ولكن الحقيقة أننا لا نفترق عنه أبدًا، نحمله معنا في أحلامنا وضمائرنا وقلوبنا، نضمن أنه، إن لم يُفسد علينا حياتنا، فإنه يملك أن يُفسد علينا سلامنا، ويصبغنا بخوفٍ سري لا يعلم عنه أحد شيئًا

وهكذا نجد أن آدم أسيرٌ لجرم لم يستطع أن يتخطاه بمرور السنين، فظلت روحه مكبَّلة بأغلال الذنب، تنتظر أي موقف ليجلدها ويُفسد عليها المستقبل كما أفسد الماضي.

أما نور، التي كانت ضياءً لمن حولها، حتى خفتت ولم تجد ما تنير به دربها، فقد تعلمت من الألم درسًا قاسيًا: لا بد من تقديس الذات حتى نتمكن من العيش بسلام، فليس كل الناس يستحقون أن ينهلوا من معين روحنا ثم يمضوا. تقول:

في علاقة الحب الأول، نتعلم عن أنفسنا الكثير، ويتغير بداخلنا الكثير. نكتشف أنفسنا لأول مرة، ونتعلم كيف يتحكم فينا القلب. نرى فيها قدرتنا على الانكسار، وقدرتنا على النهوض من جديد. يقولون: إن الحب الأول لا يُنسى، ولكن الحقيقة أن الحب نفسه ليس هو ما يبقى، بل تبقى منه ذكريات اكتشافاتنا عن أنفسنا

أما قضية عزة ومهاب، فهي خير دليل على أن الجميع يدَّعي الفضيلة فيما يخص الآخرين، ولا يكتفي بادعائها، بل يشرع في فرضها!

وراء الأبواب المغلقة، فضيلة الجميع منتقصة، ولكن مساحة التفهُّم تكاد تكون معدومة

فالكل يملك من الخطايا ما يُكبله، لكنه يُؤثر أن ينشغل بأخطاء غيره، فيُصبح الجلاد في قضايا لا تعنيه، بدلًا من أن ينشغل بإصلاح ذاته، والنتيجة أن الجميع معيب، لكنهم يستترون خشية الفضيحة، وليس خشية الذنب.

لغة الرواية جاءت بالفصحى، في السرد والحوار، بلغة بسيطة لا تخلو من شاعرية، كما اعتدنا من قلم الكاتبة منذ أول أعمالها. تسلسل الأحداث كان منطقيًا، يجذب القارئ دون تعقيد. كما قامت الكاتبة بالتعريف بماضي الشخصيات، والتجارب التي كوَّنت شخصياتهم الحالية، مما أتاح مجالًا لنقاش فلسفي عميق عن الحياة وكيفية عيشها.

تصاعدت الأحداث في النصف الثاني من الرواية، لنكتشف جريمتين قامت الكاتبة بالربط بينهما ببراعة، وظل اللغز قائمًا حتى آخر سطور العمل. وجاءت النهاية منطقية، مترابطة، ومُرضية، باكتشاف القاتل وحل اللغز، ونهاية الأبطال الجديدة.

للقراءة| رواية أشباح مرجانة.. مزيج الواقعية والرمزية لمواجهة تحديات الأجيال المتعاقبة

الرواية لم تخلُ من إشارات ثقافية، حيث تطرقت لبعض الأساطير اليونانية، مثل أسطورة العرَّافة “بيثيا”، الوسيط الروحي للكاهن “أبوللو” في دلفي، بما يتناسب مع سياق الأحداث. كما ناقشت فكرة التنمر بمختلف مراحله، وألقت الضوء على شخصية “الشرير” في الأدب، وكيف تجذبنا الحكايات التي تصور الأشرار بصراع نفسي وفكر فلسفي، مما يجعل القارئ يتعاطف معهم في كثير من الأحيان. وكأن الذاكرة البشرية لا تتسع إلا لتخليد ذكرى الأشرار بيننا!

أما عن الغلاف والعنوان، فقد جاءا مناسبين تمامًا للمحتوى؛ فمن الغلاف كانت شرارة البدء، وبه كانت سلامة الوصول. والعنوان يلخِّص جوهر الرواية؛ فكلنا عابرون في رحلة طويلة، لكن منا من وجد من يروي حكايته، ومنا من ينتظر أن تُروى.

أعجبتني أسماء الأبطال، فقد كانت معبرة عن حياتهم وقصصهم في كثير من الأحيان، وأنا مؤمنة بأن لكل منا نصيبًا من اسمه.

في المجمل، رواية مميزة كعادتها، تنبض بالألم والأمل معًا، وتُعد تجربة أولى ناجحة في مجال الرواية. أنصح بقراءتها!

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات