الخميس, فبراير 22, 2024
Dawen APP
الرئيسيةمقالاتإيمان جبل تكتب: سأظل أخلق الحكايات.. مع الاحتفاظ برفضي الكامل في أن...

إيمان جبل تكتب: سأظل أخلق الحكايات.. مع الاحتفاظ برفضي الكامل في أن أكون حكاية

كسَلوى المؤمنين بوجود بُعدٍ آَخَر، بافتراض وجود حياة أخرى بعد الموت تُعوّضهم عن كبَد الحياة الدنيا، تمثّل لي الكتابةُ هذا البعد، هذا العَوَض.

مهما عاشَ الإنسانُ من تجاربٍ شخصيةٍ متورطًا مع الحياةِ، سيكون كل هذا ضئيلًا جدًا في النهاية أمام شعوره الصاخب تجاه رغبة العيش، عيش كل حُلمٍ، وتصحيح كل خطأٍ، وتعديل كل مسارٍ، وتجميل كل تشوّهٍ، وتبرير كل خيانةٍ، وعلاج كل جُرحِ.

للقراءة| إيمان جبل تكتب: الأدب كأداة لتضليل شبح الموت!

ولنفترض أن الحياة هي البُعد الأول، النموذج الأول لورقة الأسئلة التي تجلس أمامها دون تحضيرٍ مسبق للإجابات، دون مصادرٍ أولية.. ماذا ستفعل وللامتحان وقت محدد؟

سترتَجِل دون أن تراهن على النتيجة. وأيا كانت نتيجتك النهائية، ستكون بحاجة لإعادة التجربة، للتحصّل على نتيجةٍ أفضل، لتحسين الأداء.

هل الأدب في الأصل يهَبك الفرصةَ الكاملةَ للتعويض عن خيبتك/ خسارتك الأولى؟

فكرةُ ضياعِ الفرصة إلى الأبد، أو انعدام وجود فرصة ثانية قد تُدخِل العقلَ في مرحلة ارتباكٍ جنونيةٍ، وإحباطٍ يشبه الأفول أو الموت.

لذلك يُمثّل الأدب الفرصة المتجددة لفهم أنفسنا من خلال استعادة الفرصة الأولى الضائعة في محاكاة للفرصة بأنماط واحتماليات متنوعة. لإعادة تجميع كل ما سقط من أجزائنا واعتبرناه حينها موتًا.

كإنسانٍ يُقَدّر نفسه، وتعز عليه فكرة الخسارة نفسها، بل ويرفضها في أحيانٍ كثيرة، أحتمي بالفرصة داخل الأدب، على أقل تقدير إن لم أخرج بفرصة تعويضية ممتازة، فإنني أنجو من الأثر الأسود للفرصة الأولى.

ورغم كون الأدب أحيانًا فرصة من لا فرصة له، إلا أنه لا يضمن لك الفهم الأبدي. مجرد فهم مؤقت في حالة مؤقتة تُمرّر لك التجربة الرديئة، وتُهَوّن عليك الدَرس الصعب.
لن تتحصّل على الفهم المجاني لنفسك ما لم تبذل مجهودًا، ما لم تدفع الثمن.

الكتابة تشبه التواجد داخل قصة حب، لن يضمن الحبُ المجرد مسألةَ نمو العلاقة. سيتطلب نموّها بذل المجهود كل يوم من عمرك حتى تموت.

الموهبةُ هنا في الكتابة مثل الحب ككتلةٍ صماءٍ، الكتلة حتمًا تحتاج إلى تفكيك، وفعل التفكيك هو الممارسة، والممارسة تتطلب منك الحركة، الحركة المستمرة التي ربما ترادف التعب المستمر.

الأدب والمكاشفة

في مراحل مبكرة كنت أسأل نفسي “لماذا قد يضع الإنسان نفسه في موضع يصطاده فيه أحدهم؟”. ورغم ذلك كنت أتحرك أنا نفسي داخل السرد بكل قوّتي.
ألم أتخوّف حينها من أن أقع في مصيدةِ قارئٍ أو صديقٍ أو عدوٍ حتى من خلال الكتابة؟

ربما الحاجةُ لقول شيء ما كانت على الدوام أقوى من الحَذَر، الحاجة لتوظيف الحقيقة، لرصد الخوف الأول، لتشريح العقدة الأم، لرفع كفاءة الوعي لأعلى مستوى دون تدخلٍ محكومٍ من العقل.

الأهم من كل ذلك، لمن يوجه الكاتب كلماته!
عن نفسي، أنا لا أملك إلا إجابة واحدة، وهي أني أكتب لنفسي، ومن أجل نفسي. لستُ قديسة أو مُصلِحة أحوال كونية، ولا أدّعي رغبة فردانية في تطهيرِ العالَم من شروره من خلف لغتي. أنا أكتب لأني بحاجة مُلحّة وفي بعض الأحيان حاجة عنيفة لقول شيء ما.
الحاجة لإنقاذ نفسي، والإنقاذ هنا مصير، ولكي تصنع مصيرك لن تلتفت لأحكامٍ خارجية.

الأدب والإيجو

ورغم أني أصنعُ الحكايات، أقرأ الحكايات، أعيشُ بين الحكايات، إلا أني أرفض أن يصبح وجودي في الحياة عبارة عن حكاية، حكاية قابلة لأن تُروى، لأن يتم تداولها، تزييفها، تحريفها، تضخيمها، إضافة البهارات إليها، نسخها حتى كما هي.

أنا إنسان، ولست حكاية.. لست صورة ذهنية خارجة من دماغ شخص ما، لست انطباعًا أو تركيبة.

وربما نشأ بُعدٌ كبير من أبعاد اللجوء عندي إلى الأدب من عمق هذه المنطقة، منطقة الرفض للفضول البشري في العلاقات من حولي تجاه حياتي.

داخل الأدب ومن حوله ستقدّم ما تود الكشف عنه دون أن يُكسّرك البوح، دون أن تُمَس كرامتك.
بصنعةِ تحكّم في أدواتك، في صوتك داخل الحكاية، ستعرف كيف تنفجر دون أن تموت، ستعرف كيف تتعافى وتنجو بالحكاية مع الإبقاء الكامل على إنسانيتك داخل جدارها العازل، مهما بلغ مقدار ما وضعته منك في ثنايا صنعتك الأدبية.

على عكس الروابط والعلاقات البشرية التي تورّطك بالزج بجزء منك على الطريقة الصعبة طوال الطريق.
وكأنه يتوجب عليك دفع ضريبة وجودك بينهم، بتقديم أجزاء حيوية منك لا تود الكشف عنها، لا ترغب أن يطالها إنسان لم تسمح له بملامسة الحدود.

جميعنا ننتمي لجماعات.. وكي تحصل على القبول المجتمعي، كونك فردًا ينتمي لجماعة ما، سيتحتم عليك أن تُبقي فمك مفتوحًا للأبد، وإلا اعتبروك خائنًا أو متمردًا أو مغرورًا أو غريبَ أطوارٍ.
وأنت في الأصل مجرد إنسان لا يرغب بأي شيء سوى أن يكون في مأمن من الآَخَر.

باستثناء عدد نادر جدًا من العلاقات التي تستوعبك، تتقبل اختلافك، تحترم رغبتك في الاحتفاظ بنفسك، بصورتك الذهنية الخاصة دون النبش فيها أو المساس بخصوصيتها آثمة كانت أم مريمية.

هل أقول بذلك إن الإنسان في وجود الأدب له أن يخلَع عنه كل علاقاته؟

لا أقول أي شيء، أنا أحاول أن أشْرَح الأمانَ الذي يجسّده الأدب كمجتمع، أو كجماعة أنتمي إليها..
جماعة لن تأكل جزءًا من كرامتي، لن تربكني بالحكم على حقيقتي، لن تُصَنّفني.
وسأظل أخلق الحكايات، مع الاحتفاظ برفضي الكامل في أن أكون حكاية.

للقراءة| 7 أسباب تدفعك لقراءة “خريف.. دماء وعشق” لـ أحمد مدحت سليم

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات