الثلاثاء, يونيو 18, 2024
Dawen APP
الرئيسيةمقالاتخالد أمين يكتب: أسرار أدب الرعب (5).. قصة الحب بين السينما وأدب...

خالد أمين يكتب: أسرار أدب الرعب (5).. قصة الحب بين السينما وأدب الرعب

الليلة سنتحدث عن أمر خاص جدًا..

الرعب..

الرعب..

الرعب..

تزايدت الهمسات في الأجواء كأنما الرياح الخافتة تهمس بالكلمة في مجون، بينما ناردين الصباغ وإبراهام فان هيليسنج يخطون داخل قصر سليمان..

غمغمت ناردين: ها نحن ذا، داخل أكثر أماكن الأرض رعبًا وشرًا، الأسطورة تقول إنه مبني فوق مقبرة للغجر الذين كانوا يمارسون السحر الأسود، يقولون جدرانه ملتحمة بعظام العمال الذين بنوه وأن هناك عشيرة من آكلي لحوم البشر في أنفاق القصر، يقولون أيضًا إن هناك غرفة حمراء بالقصر جدرانها مزينة بجلد آدمي وقلوب الأطفال بينما رؤوسهم تضيء الغرفة بشموع من أفواههم.

– رائع

– ولا تنس طبعًا أمر الغول الذي يجول في أرجاء القصر والأروح والأشباح.

تلفت فان هيليسنج حوله، القصر مظلم وشباك العناكب تحيط بهم. بينما ناردين تتابع: القصر يبقع في بلدة مهجورة تحول أهلها لتماثيل شمع.

تقدم فان هيليسنج للأمام وهو ينير الظلام بمصباحه وقال: هذا رعب قوطي، ممزوج برعب معاصر، هناك مداعبة للخيال هنا بلا شك.. هذا شيء آخر يخص أدب الرعب، قدرته على المزج بين أنواعه المختلفة.

هنا توقفت ناردين ومثلها فعل فان هيليسنج، أمامهم وقبالة منضدة طويلة جلست جثة متحللة، جلدها متساقط وإحدى تجويف عينها فارغة، الوطاويط تحلق من خلفها بينما هناك ثعبان ضخم يتلوى بكسل أمامها، وعلى يسارها شبكة عنكبوت هائلة، كان هناك كتاب بين يدي الجثة الجالسة بعنوان “آمال عظيمة – تشارلز ديكنز”، وهمست ناردين مبهوتة: مثل المرأة، العروس التي ظلت وحيدة لسنوات في حفل زفافها الخالي تنتظر عريسها الذي اختفى، هذا المشهد الخالد في رواية ديكنز الشهيرة.

– نعم الرعب يفعل هذا أحيانًا، يستلهم ويأخذ من الكلاسيكيات.

بصوت أجش عميق قادم من المجهول تحدث الميت الحي أمامهم، وسألهم آخر شيء كانوا يتوقعونه

– هل تحبوا السينما؟

رفعت ناردين حاجبيها وظل فان هيلسنج صامتًا قبل أن يردد بعدم فهم: سينما؟

– لقد اخترعوها في نهاية عصرك سأشرح لك فيما بعد، فقط تخيل مسرحية بموسيقى على شاشة عرض

– شاشة عرض؟

– لا عليك

أشارت لهم الجثة كي يجلسوا، بينما هناك ظلال تتحرك على الحائط العملاق المواجه لسلم القصر المؤدي للطابق الثاني، وتابعت الجثة: أنا أحب السينما، دعوني أحدثكم عن قصة الحب بين السينما وأدب الرعب.

أحد أوائل وأهم أفلام الرعب وأكثرهم تأثيرًا للحظتنا هو الفيلم الألماني الصامت “نوسفيراتو” الصادر لعام 1922، المخرج الموهوب والعبقري ف.و مونراو أراد اقتباس رواية دراكولا لبرام ستوكر وتقديمها كفيلم سينمائي لكن أرملة ستوكر رفضت بشدة، هنا قرر مونراو العنيد فعل الأمر بطريقة خبيثة، اقتبس الرواية بعد أن غير أسماء الشخصيات كي لا تقاضيه الأرملة، وهكذا أصبح دراكولا الكونت أورلاك، الحقيقة أننا ممتنون لأنه فعل هذا لأن الفيلم رائعة سينمائية لن تموت أبدًا، هناك نسخة جديدة ستصدر بنفس الاسم العام القادم بالمناسبة، الفيلم كان مرعبا جدًا، واستطاع مونراو استخدام تأثير الظلال وحركة الكاميرا مع أداء الممثل المرعب ماكس شريك، الذي قال البعض إنه مصاص دماء حقيقي، إنتاج كابوس حي قادر على ترويع قلوب أكثر الرجال شجاعة. يتم تدريس هذا الفيلم في كل معاهد السينما الأوروبية، كما أن فرانسيس فورد كوبالا، مخرج الأب الروحي، عندما قدم نسخته من دراكولا، قام بطرد طاقم العمل بالكامل لأنهم أرادوا استخدام مؤثرات بالكمبيوتر وأحضر فريق عمل قادر على تقديم تأثيرات حية مثلما فعل مونراو في نوسفيراتو، بل أن كوبالا اقتبس مشاهد كاملة من فيلم مونراو، وقد قدم الإيطاليون في السبعينات نسخة أخرى من نوسفيراتو، بعنوان نوسفيراتو “شبح الليل” والحقيقة أنها جيدة جدًا.

الرعب القوطي شديد القوة والخيال، الشموع والظلال والقلاع القديمة والخوف من التوابيت والثعابين والفئران والعواصف، نحن نتحدث عن كوابيس ناجمة من الخيال الخام هنا، في نفس الفترة قدمت السينما الألمانية الصامتة فيلم رعب آخر لا مثيل له وهو “كابينة الدكتور كاليجاري”. هذا فيلم رعب عبقري بكل المقاييس، أول فيلم استخدم تقنية السرد عبر “الفلاش باك” وقدم “بلوت تويست” أو مفاجأة قوية في النهاية، الفيلم يتحدث عن طبيب مخبول يدعى كاليجورا يقدم عروض التنويم المغناطيسي في السيرك، ويستخدم دميته البشرية في القتل، لكن هناك مفاجأة غير متوقعة في النهاية، بالمناسبة مارتن سكورسيزي اقتبس هذا الفيلم بشكل أو بآخر في فيلم “شاتر ايلاند – جزيرة الخبال”. البعض يزعم أن أدب الرعب في السينما لم يكن ليصبح بقوته الحالية لو لم تبدأ السينما الألمانية بتقديم هذين الفيلمين، ويجب على أي محب للرعب مشاهدتهم.

 في الثلاثينات تغير كل شيء مع السينما الناطقة وتقديم شركة يونيفرسال لعدد من أفلام الرعب المقتبسين من روايات رعب قوطي كلاسيكية، أول تلك الأفلام وأكثرهم نجاحًا كان دراكولا لسنة 1931 من بطولة الممثل العبقري والمخيف بيلا لاجوزي، تلاه فيلم فرانكنشتاين الذي خلد اسم بوريس كارلوف في أفلام الرعب، والحقيقة أن الجزء الثاني من فيلم ماري فرانكنشتاين -بعنوان عروس فرانكنشتاين- بدأ بتقنية سرد مأخوذة من ألف ليلة وليلة، حيثما نجد المشهد الافتتاحي لماري شيلي وزوجها الشاعر وصديقهم في قلعتهم، وتلك هي الكواليس الحقيقية لكتابة ماري شيلي لروايتها، وتقص لهم الكاتبة أن المسخ لم يمت كما ظهر في أحداث الفيلم الأول، بل أنه قد نجا وتبدأ السرد ليتم عرض الجزء الثاني من الفيلم أمامنا، كل هذا على أنغام مقطوعة بحيرة البجع لتشايكوفسكي.

السينما كانت شيء آخر فيما سبق، خيال وفن خام، لو أردتم رأيي، بعدها قدمت يونيفرسال أفلام مثل المومياء وجيكل وهايد وجاك السفاح وقد نجحوا جميعًا بشدة حتى أن الشركة بدأت في دمج العوالم وجعل مسوخها تقابل بعضها البعض في أفلام “فرانكنشتاين والرجل الذئب” و”بيت دراكولا” الذي احتوى تقريبًا على كل المسوخ المرعبة من الأفلام السابقة، هذا قبل 100 عاما من فعل مارفل ودي سي لنفس الشيء مع أفلام الأبطال الخارقين، وهذا يقول لنا شيئًا عن أدب الرعب، لكن أدب الرعب شديد التطور، فتلك الأفلام رغم قوتها وجمالها وتأثيرها كانت ملتزمة بقواعد الرعب القوطي، نحن دومًا في العصر الفيكتوري، وهناك مسخ -شر خارجي- يهددنا.

ثم تغير كل شيء مع ثورة المجتمع وحركة الهيبز والحركة النسائية في الستينات، ولأن الرعب مرتبط دومًا بالمجتمع، فقد ظهر عبقري آخر قدم فيلم غير من كل شيء وكسر كل القواعد.. قبل ظهور هذا الرجل، كانت أفلام الرعب تلمح للعنف ولا تظهره، ولم تكسر التابوهات المحرمة إلا بالتلميح أيضًا، ولكن بعد ظهور هذا الرجل الذي قدم فيلما صدم الجميع، وتسبب في حالات إغماء وإجهاض في السينما، فيلم تسبب بظهور موجة جديدة من أفلام الرعب الصادمة والكابوسية في السبعينات، التي أظهرت مشاهد لم يكن يحلم أحد بتقديمها، ورمزيات عن الدم والجسد البشري وعلم النفس في علاقة شديدة الغرابة.

حركت الجثة يدها، بينما تعبير الفضول والانتباه يعتلي وجه فان هيلسنج وناردين، وهمست الأخيرة: أعتقد إني قد خمنت من تتحدث عنه؟ 

هل خمنتم أنتم من المخرج وأي فيلم تشير له الجثة في حديثها؟ في الجزء القادم سنواصل الحديث عن قصة الحب بين السينما وتاريخ الرعب. وأول ثلاثة أشخاص سيقدمون إجابة حقيقية للسؤال، سيحصلون على رواية هدية ومقابلة مع الجثة في قصر سليمان، أو رواية موقعة من المؤلف في دار دوِّن لو لم يبغوا مقابلة الميت الحي في القصر الكابوسي!

اغمضوا أعينكم وخذوا أنفاسكم، هناك حقائق صادمة سنعرفها الأسبوع المقبل، وإليكم السؤال مرة أخرى.. من هو المخرج وما هو اسم الفيلم؟ 

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات