الأحد, فبراير 25, 2024
Dawen APP
الرئيسيةريفيوهاتموعد مع فيلسوف.. أم موعد مع الحياة؟

موعد مع فيلسوف.. أم موعد مع الحياة؟

كتبت: مروة محمد

في رحلة مختلفة ومميزة، توغلت داخل النفس البشرية بصورة أعمق، وأقرب للواقع الذي أعيشه، وأثارت هذه الرحلة بداخلي الكثير من التساؤلات وخلقت من العدم أفكارًا عديدة، بل انبثق منها أفكار أخرى لم تخطر على بالي من قبل، وتولدت لدي معتقدات جديدة عن الحياة، والأهم من ذلك إدراكي أن إجابة السؤال خلقت قبله، تكاد تكون الإجابات واضحة أمام أعيننا، ولكن نظل نبحث عنها، ربما نجد فيما نبحث عنه ما يرضي غرورنا ويريح قلوبنا.

تبدلت الكثير من معتقداتي القديمة خلال قراءتي لكتاب “موعد مع فيلسوف”، للكاتب أحمد مهنى، الصادر عن دار دوٍِن للنشر والتوزيع، وكأنني كنت على موعد مع الحياة للتعرف على وجهها الحقيقي، وإدراك المعنى الحقيقي لوجودها، والبحث المستمر لمعرفة المغزى من وجودي على هذه الأرض.

كتاب “موعد مع فيلسوف” هو ضميرنا الحي الذي ينبهنا لكل ذنب نرتكبه في حق أنفسنا تجاه الآخرين، هو الصوت الداخلي الذي ينطلق من أعماقنا لننتبه لكل ما حولنا ولكل ما يحيط بنا من نعم، هو بمثابة رسالة إلهية تطمئننا وتبعث في نفوسنا الإحساس بالأمان والسلام النفسي، هو قاموس لمعرفة مفاهيم متنوعة ومتعددة للحياة، وأنها لا تسير على نمط ثابت، وإنما تتغير نتيجة تغير الظروف البيئية والحياتية، وتختلف باختلاف العصور والأزمنة والظروف الاقتصادية الاجتماعية.

موعد مع فيلسوف يمثل مواجهة شجاعة مع النفس كي نتعرف على أنفسنا من جديد، لنلتمس العذر لمن نعيش معهم سواء كانوا أهل أو أصدقاء، لنتفهم شعور من نقابلهم في رحلتنا لندرك الفرق بين الفلسفة والتفلسف.

يعتبر هذا الكتاب طاقة من النور، شعاع من الأمل اللامتناهي، فقد ساعدني على معرفة أمور كانت غامضة بالنسبة لي، أدخلني في حالة غريبة لا يمكن وصفها بكلمات، فكان الصديق الذي أشكو إليه، وكان الونس وقت الوحدة، وكان بوصلتي نحو طريق المعرفة واكتشاف الأشياء من حولي ومعرفة أصلها منذ بداية الخليقة.

أعجبني في الكتاب لغته واسلوبه السلس مع تعمق رسالته وأفكارهم المواضيع التي ناقشها. كما أعجبتني بشدة طريقة السرد وكأنها قصة قصيرة بروح مختلفة أو حوار مع أشخاص قابلتهم وتحاورت معهم، ربما هؤلاء الأشخاص هم أصدقائي أو أغراب عني وأتعرف عليهم لأول مرة في حياتي أو من المحتمل أن يكونوا كعابري سبيل بعثهم الله في طريقي لإدراك حكمته في شيء ما أو رسالة منه لاستيعاب المواقف والأشخاص في حياتي ومعرفة المعنى الخفي من حدوث كل هذا. خلق هذا الحوار البناء حالة من الألفة والونس والطمأنينة بين القارئ وابطال موعد مع فيلسوف.

رسم أحمد مهنى شخصيات الكتاب بمنتهى البراعة والصدق. استطاع أن يجمعهم في مكان واحد على الرغم من اختلاف أفكارهم ومعتقداتهم، ومدى استعدادهن النفسي لفهم وتفهم ما يبث لعقولهم، ومدى تقبلهم لذلك.
فقد طرح الكاتب قضية في غاية الأهمية وهي الحوار البناء بين طرفين دون تعصب أو تطرف لفكرة بعينها والدفاع المستميت عنها دون تفكير. كما طرح أيضا فكرة أن نستمع لبعضنا البعض وننصت جيدا، ونتحاور بتحضر، نطرح أفكارنا بموضوعية على طاولة المناقشة، وأن نستمع جيدا لبعضنا حتى لو كنا مختلفين في الرأي، والأهم أن نتقبل الرأي الآخر حتى لو كان هذا الرأي عكس ما نؤمن به، فهذه الحالة البناءة من الحوار تخلق جسرا للبحث المستمر والأسئلة من أجل الوقوف على أرض صلبة وللتحقق من أصول الأشياء وثوابتها.

سلط الكتاب الضوء على ضرورة وأهمية النقاش الفعال البناء بين أجيال مختلفة، افتقدنا هذه النوعية من المناقشات في هذه الأيام نتيجة رتم الحياة السريع، و ظهور منصات السوشيال ميديا، واعتماد الجيل الحالي عليها في حصوله على أى معلومة يريد معرفتها واعتبارها المصدر الرئيسي والوحيد لهم لمعرفة أي شيء في أي مجال.

من يقرأ الكتاب سيجد إجابة لأسئلة كثيرة دارت في ذهنه، وستتكاثر هذه الأسئلة. فليس المهم العثور على إجابات أسئلتنا، ولكن الأهم هو استمرارنا في البحث لمعرفة الهدف الحقيقي من وراء هذه الأسئلة، وإدراك أنه في بعض الأوقات ستتولد لدينا أسئلة بلا إجابات، فالسؤال في حد ذاته هو أول طريق المعرفة. الكتاب كان يجيب على أسئلتي التي لا تنتهي حتى صرت أشعر أنه يعرفني أكثر مني، وكأنه يلاحقني في كل أمور حياتي وكل المواقف اليومية و الحياتية التي تحدث لي ليخبرني أنه بجانبي ومعي،وأنني لا اواجه وحدي كل هذا الخفقان والتيه والاضطرابات،وفي بعض الأحيان كنت أشعر أنه يحدثني بأنني على صواب، واحيانا ينصحني بالتمهل والتأني والصبر، ويبعث بداخلي الشعور بالتفاؤل والأمل من للبدء من جديد، وأن كل يوم في حياتنا هو فرصة جديدة لنا من الخالق لتغيير أنفسنا ونمط حياتنا للأفضل.

الكتاب مبذول فيه جهد غير عادي من البحث، مليء بالعديد من المعلومات عن تاريخ الإقتصاد ونشأة الأموال والثورة الصناعية وحروب المال ونشأة الحياة وغيرها.

لفت انتباهي في كتاب “موعد مع فيلسوف” فكرة ربط الانتظار بالصبر وتسميته بالصبر الإيجابي المحفز. وأيضا من الأفكار المعقدة نوعا ما التي طرحها الكتاب فلسفة القدر وتصاريفه، فهذا الموضوع يكاد يكون شائكا ومعقدا نوعا ما،ونظل نتسائل فيه عن أسبابه واصوله والنتائج المترتبة عليه، بالإضافة إلى شرح الفروقات بين الشخص الذبابة والشخص الفراشة وتوضيح الفرق بينهما، وتوضيح أمثلة لكل منهما، ومدى تأثير كل منهما على حياتنا وحياة من حولنا.

“موعد مع فيلسوف” واحد من الأعمال التي أعتقد أنها ستعيش طويلا، نتعكز عليه لنواصل السير في شتى دروبها، نقوى به على صعاب أيامنا، نكتسب من خلاله شجاعة الاعتراف بأخطاءنا، نقدم من خلاله اعتذارً واجب النفاذ لأنفسنا وللآخرين.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات