الخميس, فبراير 22, 2024
Dawen APP
الرئيسيةمقالاتلن نخوض الحرب

لن نخوض الحرب

انتهينا في المقالة السابقة إلى أن الفضل في الإبقاء على آثار مقبرة الملك الصغير توت عنخ آمون في مصر يعود إلى “إيطالي يدعى” روبرتو روستي “لمرافعته البارعة في النزاع الذي أقامه هوارد كارتر المغامر البريطاني وورثة اللورد كارنافون أمام المحكمة المختلطة المصرية للمطالبة باقتسام الآثار المكتشفة بمقبرة الملك” توت “مع الحكومة المصرية، لكن الأمر لم يقتصر على مجرد نزاع قضائي بل أحاطه مفاوضات تولاها العلامة القدير” عبد الحميد باشا بدوي “، لينتهي الأمر بمجرد تعويض ورثة اللورد كارنارفون بما يعادل القيمة النقدية للأعمال التي تكلفتها تلك البعثة لاكتشاف المقبرة والذي لم يتجاوز الثلاثة وثلاثين ألف جنيه،” .

عبد الحميد باشا بدوي “الذي كان رئيسا لقضايا الحكومة ونائبا لرئيس محكمة العدل الدولية ووزير للمالية والخارجية ترك لنا الكثير والكثير ولم يحط به خبر،لقد ساهم مباشرة في تولية الملك الصغير على عرش مصر… بالطبع لا أقصد توت عنخ أمون، ولكن كان هناك ملك صغير آخر في تاريخ مصر.

فعندما توفى الملك فؤاد عاد ابنه الأمير فاروق إلى مصر في 6 مايو سنة 1936، وهو التاريخ الذي اتخذ فيما بعد التاريخ الرسمي لجلوسه على العرش، ونصب ملك على البلاد خلفا لوالده الملك فؤاد الأول، وذلك وفقا لنظام وراثة مصري وضعه الملك فؤاد بنفسه بالتفاهم مع الإنجليز.

ونظرا لكون فاروق كان قاصرا- إذ لم يبلغ السابعة عشرة من عمره- ولم يبلغ بعد السن القانونية فقد تم تشكيل مجلس وصاية برئاسة ابن عمه الأمير محمد على بن الخديوي توفيق شقيق الملك فؤاد الأول (الذي أصبح وليا للعهد)

وكان سبب اختياره هو أنه من بين أمراء الأسرة العلوية وكان أكبر الأمراء سنا، واستمرت مدة الوصاية ما يقارب السنة وثلاثة شهور إذ إن والدة الملك فاروق (الملكة نازلي) كانت تخشى أن يطمع الأمير محمد علي بالحكم ويأخذه لنفسه، فصدر القانون رقم 41 لسنة 1936 بتاريخ 4/5/1936 بشأن إعلان رشد حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول. والذي كان بناء على الرأي الذي أبدأه عبد الحميد باشا بدوي رئيس قضايا الحكومة باعتماد سن دون الثمانية عشر سنوات لأهلية الملك فاروق في جميع تصرفاته المدنية ثم وافق عليه برأيه الشرعي صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر (الشيخ المراغي) ومفتي الديار المصرية ورئيس المحكمة الشرعية العليا فصدر القانون سالف الذكر.

إذا لم يكن الشيخ المراغي هو السبب في تولية فاروق عرش مصر وفق ما جاء في الدراما التليفزيونية المصرية – وهو أمر من السهل التيقن منه بالرجوع إلى القانون سالف الذكر ومذكرته الإيضاحية- بل وافق الشيخ المراغي برأيه الشرعي على الرأي الذي أبدأه عبد الحميد باشا بدوي، لكنه خطأ أصبح شائعا في الدراما للأسف.

ولذلك تم اعتماد سن الثمانية عشر عاما لأهلية الملك فاروق في جميع تصرفاته المدنية، وأدى ذلك إلى أن يتوج فاروق ملكا رسميا بتاريخ 29 يوليو 1937، وتم تعيين الأمير محمد علي باشا وليا للعهد وظل بهذا المنصب حتى ولادة ابن فاروق الأول أحمد فؤاد، وكان رأى عبد الحميد باشا بدوي سببا مباشرا في تقنين شرعية تولى الملك فاروق عرش مصر بعد انقضاء فترة الوصاية على العرش.

لقد امتد أثر هذا الرجل لأبعد من ذلك بكثير، لقد قرر باعتباره مفتي الحكومة المصرية ألا نخوض الحرب العالمية الثانية، ففي 26 أغسطس 1936 وقع رئيس الوزراء البريطاني (أنتوني إيدن) ورئيس الوزراء المصري (مصطفى النحاس) المعاهدة المصرية البريطانية (معاهدة التحالف) وهي ما تعرف بمعاهدة 1936 وبموجبها تلتزم الحكومة المصرية بتقديم كل التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية، والبريطانيون حق استخدام مواني مصر ومطاراتها وطرق المواصلات بها، فلما قامت الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء بزعامة بريطانيا والمحور بزعامة ألمانيا؛ طالبت بريطانيا مصر بإعلان الحرب على ألمانيا، وترددت الحكومة المصرية سياسيا سيما أن الملك فاروق اشتهر عنه حبه وميله للإيطاليين وتعاطفه مع الألمان لدرجة أن أحمد زيور باشا الذي سبق له أن تولى رئاسة وزراء كان يجهر بالقول إن” شعب مصر ألماني- إشارة منه إلى هتافات الشعب إلى الأمام يا روميل إلى الأمام يا روميل- وملك مصر إيطالي وحكومته إنجليزية

فمن يتصدى للأمر أمام هذا التردد، قدم عبد الحميد باشا بدوي فتواه والتي رأى فيها أن نصوص معاهدة سنة 1936 لا تنطبق على حرب تنشب في أوربا (وهذا هو الحال عندما كانت ألمانيا وحدها أمام الحلفاء)، وإنما تنطبق على حرب يكون فيها ما يهدد الأراضي المصرية، وأن مصر في حالة حرب أوروبية تشارك فيها بريطانيا غير مطالبة بأكثر من إعلان حالة الطوارئ فقط،

وكما افترضنا في المقال الأول إن كنوز توت عنخ أمون من حق مصر بصورة بديهية، امتد أثر الرجل إلى شيء تعتقد أنت كقارئ بديهيته أيضا هو أن الأحكام تكتب باللغة العربية فلم يكن الأمر كذلك أمام المحاكم المختلطة لولا مجهودات هذا الرجل عند صياغته لمعاهدة منترو  الخاصة بإلغاء الامتيازات الأجنبية عام 1937

قال عنه عبد الرزاق باشا السنهوري أشهر قانوني في تاريخ مصر الحديثة والرئيس الثاني فى تاريخ مجلس الدولة المصرى انه” اعظم عقلية قانونية جاءت فى العصر الحديث “، وكما قنن” عبد الحميد باشا بدوى ” شرعية تولى الملك الصغير حكم مصر، قنن عبد الرزاق السنهورى خلع الملك الصغير من عرش مصر ولكن هذا مجاله مقال آخر.

محمد عبد العال الخطيب
محمد عبد العال الخطيب
كاتب مصري, من مواليد الأسكندرية عام 1974، يشغل منصب نائب رئيس هيئة قضايا الدولة وعضو إتحاد كتاب مصر شعبة الرواية، صدرت له عدة روايات منها “البهلوان”، “أخطر الرجال” و “تحت الحصار”, "الأخدود", "أرض بلا ظل" وعدة كتب تاريخية منها “قضايا الدولة عبر التاريخ”، “عصر النخبة”، و “قناة السويس من المهد حتى التحرير”. وتعتبر "وأحترقت أوراق القضية" أحدث رواياته الصادرة عن دار دوّن.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات